ثانيًا: التوسع العمراني والحضاري
وحدث سنة 373 هـ مرض الكوليرا في القدس والذي أدى إلى موت ثلاثة آلاف شخص من القدس وحدها دون سائر فلسطين الذين كان عددهم آنذاك عشرين ألف نسمة.
وعن اهتمام العثمانيين بالقدس فقد اهتموا بإعادة تعمير الحرم القدسي الشريف وإصلاحه واهتموا كذلك بإنشاء المراكز والمنشآت الدينية والاقتصادية وخاصة في عهد السلطان سليمان القانوني التي كانت تحيط بالأجزاء العلوية من الجدران الخارجية بالفاشاني المزخرف والأجزاء السفلية بالرخام وكذلك تجديد سور القدس الذي استمر خمس سنوات وأنفقت عليه الأموال الطائلة.
النقود والمسكوكات في العهد التركي:
يظهر أن النقود التي كانت، في بداية الحكم التركي، رائجة بين سكان بيت المقدس هي التي سكت على عهد المماليك، وأن قيمة هذه المسكوكات قد هبط إلى الحضيض مع زوال حكم المماليك. الأمر الذي حدا بالسطان قانوني إلى سك فلوس جديدة سميت باسمه. ويظهر أيضًا أن الناس في بادئ الأمر أقبلوا على التعامل بالفلوس الجديدة وأهملوا القديمة لهبوط قيمتها الأمر الذي أحدث ارتباكًا في الأسواق فراحت جماعة من المسلمين إلى نائب القدس تشكوا أمرها قائلة إنها تضررت من قلة الفلوس الجديدة وتقرر أن تكون الفلوس القديمة المسكوكة كل أربعة بربع. وذلك برضا جماعة السوقة وأحمد بن أبي بكر محتسب القدس الشريف.
في أواخر السبعينيات ونتيجة للتوسع العمراني إلى خارج الأسوار أصبحت أبواب المدينة تفتح طوال الليل وفي أوقات صلاة الظهر من يوم الجمعة.
ومنذ أوائل أعوام الثمانينيات بدأ المقدسيون في اتباع طرق حديثة في بناء المساكن المقامة خارج الأسوار حيث أصبحت جدران المباني أقل سمكًا وغرفها مسقوفة بأعمدة خشبية، وكذلك أرضياتها من الخشب، ومن ثم تطورت عمليات البناء إلى بناء الأسقف من الأعمدة الحديدية والأرضيات من البلاط الحجري، كما تم تغطية خشب الأسقف بحجر القرميد الأحمر وهكذا بدأت في الظهور مدينة القدس الجديدة ذات الطابع الأوروبي والتي أخذت تنمو وتكبر إلى جانب مدينة القدس التاريخية.
أما المباني التي أقيمت للمهاجرين اليهود الجدد في المنطقة المجاورة للناحية الشمالية الشرقية من القدس القديمة، فقد أخذت أيضًا في النمو والتوسع لازدياد أعدادهم من جهة، ولسهولة حصولهم على أراض للبناء خارج المدينة لكونها أراض غير مملوكة للحكومة أو الأفراد أي مشاع. أما التجمعات اليهودية المقامة في داخل المدينة فقد كانت تعمل في الغالب على استئجار مساكن لها من الأوقاف الإسلامية.
هذا وقد تم إجراء العديد من أعمال البناء والتعمير في داخل المدينة المقدسة في عهد السلطان عبد الحميد، حيث تم بناء وتعمير العديد من المنشآت المائية منها تعمير السبيل الكبير المعروف بسبيل قايتباي، وقناة السبيل عام 1899م كما أنشئ السبيل الذي كان قائمًا تجاه باب الخليل إلي الغرب سنة 1907م كما أقيم برج الساعة فوق باب الخليل في ذات العام 1907م.
وقيل إن السلطان عبد الحميد أنفق على تعمير الحرم وزخرفته ثلاثين ألف ليرة عثمانية خلا الطنافس المختلفة الألوان التي اتخذت فرشًا، وبلغت قيمتها عشرة آلاف ليرة عثمانية.
ثالثًا: تطور خطوط المواصلات
من المشاريع المهمة التي أقيمت في عهد السلطان عبد الحميد وكان لها أثر كبير في انتعاش اقتصاد المدينة والمناطق المحيطة بها هو مد سكة الحديد بين القدس ومدينة يافا المطلة على البحر المتوسط بطول 86.630 كم وقد حصلت على امتياز تنفيذه شركة فرنسية عام 1889 وبدأ العمل بإنشائه في عام 1890، وتم الانتهاء منه وتشغيله في عام 1892م.
ومع نهاية القرن التاسع عشر قدرت الأرباح العائدة من تسيير الخط الحديدي بمبالغ طائلة من الأموال، حيث قدر عدد المسافرين من الحجاج والزوار بـ 85.440 مسافرًا في العام 1893 و149.200 مسافر في العام 1909م.
كما قامت السلطات العثمانية في القدس بإنشاء شبكة من الطرق الجديدة في أوائل التسعينيات من القرن التاسع عشر، وصلت المدينة المقدسة بباقي المدن في وسط وجنوب فلسطين منها رام الله – بيت لحم – الخليل – أريحا.
رابعًا: تطور البنية التحتية
من الأمور التي ساهمت في تطوير المدينة حضاريًا تمتعها بالمجلس البلدي الذي كان قائمًا والذي سعى جاهدًا في اتباع الإجراءات الضرورية اللازمة لتحسين البنية التحتية للمدينة والأوضاع المعيشية لسكانها.
في أوائل السبعينيات بدأت بلدية القدس إجراءاتها النشيطة لتنظيف المدينة وجمع النفايات ورصف الشوارع ومد شبكة للمجاري والتي استمر التوسع فيها حتى عام 1914، وفي عام 1886 شكلت قوة شرطة للمدينة للمحافظة على الأمن والاستقرار فيها، كما قامت البلدية في نفس العام بإنشاء عيادة وتم تعيين طبيب لمعالجة المرضى مجانًا.
ومنذ أوائل التسعينيات سعت البلدية إلى تحسين الخدمات الطبية في القدس من خلال إنشاء المستشفى البلدي ليخدم قطاعًا أوسع من الناس. ويقول د. كامل العسلي في كتابه (مقدمة في تاريخ الطب في القدس): إن حقيقة أمر المستشفى هو أن الحاج سليم أفندي الحسيني رئيس بلدية القدس اشترى قطعة أرض في حي الشيخ بدر (روميما بعد ذلك) قرب لفتا وبنى عليها مبنى ذا طابقين يضم 28 غرفة وكان البناء يضم 40 سريرًا، وكان المستشفى مزودًا بغرفة عمليات مجهزة تجهيزًا ممتازًا، كما كانت صيدلية المستشفى مجهزة بجميع الأدوية المعروفة في ذلك الوقت.
وفي عام 1892 افتتح متنزه عام للجمهور في شارع يافا وسط المدينة، وغدت الفرق الموسيقية تعزف ألحانها هناك مرتين أسبوعيًا. ومع نهاية القرن التاسع عشر تم تركيب الآلاف من مصابيح الكاز لإنارة شوارع المدينة.
ومع بداية القرن العشرين توسعت النشاطات الثقافية في المدينة حيث تم تأسيس متحف للآثار، وافتتاح مسرح قرب باب الخليل سنة 1901 كانت تقدم فيه المسرحيات باللغات العربية والتركية والفرنسية.
وفي الأول من أيلول سنة 1908م صدرت أول مجلة عربية في فلسطين وظهرت في القدس أسماها صاحبها حنا عبد الله العيسى (بالأصمعي) وكانت تعالج الموضوعات الاجتماعية والأدبية والسياسية والتربوية، لكنها توقفت عن الصدور بعد وفاة صاحبها بتاريخ 12/9/1909 بعد أن صدر عنها أحد عشر عددًا في مدة خمسة أشهر ونصف، هذا وقد شارك في تحريرها والكتابة فيها الأديبان والكاتبان المقدسيان خليل السكاكيني ومحمد إسعاف النشاشيبي.
نهاية الحكم العثماني لمدينة القدس
ما أن انقضت بضع سنوات على تولي السلطان محمد رشاد الخامس حكم السلطنة العثمانية في عام 1909 حتى أعلنت الحرب العالمية الأولى سنة 1914، وحارب الأتراك العثمانيون إلى جانب ألمانيا ضد الحلفاء الإنكليز والفرنسيين والروس في خمس جبهات هي القفقاس- الدردنيل – العراق –رومانيا – فلسطين، ولكنهم خسروا جميعها أمام الحلفاء مما أرغم حكومة الأستانة في نهاية الحرب على عقد معاهدة سيفر SEVRES ، والتي أجبرت فيها على التنازل عن جميع ممتلكاتها في أفريقيا وآسيا وأوروبا ما عدا أراضي الأناضول والأستانة، ووضعت الأستانة تحت الرقابة الدولية.
أما على الجبهة الفلسطينية وعندما خسر الأتراك مواقعهم الحصينة في جنوبها أدركوا أن القدس لا بد وأن تسقط في أيدي قوات الإنكليز، فبدءوا بالتراجع من مساء يوم الثامن من شهر كانون الأول/ديسمبر، كما أيقن متصرف القدس عزت بك أنه لا أمل يرجى من المقاومة فأرسل في تلك الليلة أيضًا يطلب مفتي القدس كامل الحسيني ورئيس بلديتها السيد حسين سليم الحسيني للاجتماع إليه في داره وهناك خاطبهما قائلاً:
( ها قد أحاط الجنود الإنكليز بالقدس، ولا بد أن تسقط عما قريب بأيديهم، ولقد اعتزمت مغادرة المدينة بعد نصف ساعة، وأود أن ألقي بين أيديكم هذا الحمل الأدبي العظيم ألا وهو تسليم المدينة). ثم ناول رئيس البلدية وثيقة التسليم ليسلمها للإنكليز.
فيما يلي الترجمة الحرفية لنص وثيقة التسليم كما أوردها عارف العارف في كتابه.
( إلى القيادة الإنكليزية: منذ يومين والقنابل تتساقط على القدس المقدسة لدى كل ملة. فالحكومة العثمانية رغبة منها في المحافظة على الأماكن الدينية من الخراب، قد سحبت القوة العسكرية من المدينة وأقامت موظفين للمحافظة على الأماكن الدينية كالقيامة والمسجد الأقصى. وعلى أمل أن تكون المعاملة من قبلكم على هذا الوجه فإني أبعث بهذه الورقة مع وكيل رئيس بلدية القدس حسين بك الحسيني).
| ||
من الفترات التي كثر فيها اللغط، وزاد بها الكلام وتأرجحت فيها عقول الناس بين الأخذ والرد فترة العثمانيين، ففي هذا العهد استولى اليهود على القدس وتناثرت الإشاعات عن أن العثمانيين هم السبب في هذا الضياع، واستغل اليهود هذه الشائعات في تنفيذ مخططاتهم القائمة على سياسة”فرق تسد” فدسوا وسط السطور مساوئ العثمانيين ، ومحو محاسنهم، حتى يضمنوا بذلك ألا يبحث المسلمون عن دولتهم وحتى لا يحاولوا أن يعيدوها.
وفي السطورالقادمة نحاول إظهار بعض الحقيقة بهدف إرجاع الحق لأهله. وهذه بعض المحطات التي سوف نتوقف عندها:إطلالة على دولة الخلافة
القدس في عهد السلطان سليم الأول
القدس في عهد السلطان سليمان القانوني
القدس خلال القرن السابع عشر
القدس خلال القرن الثامن عشر
القدس والدولة العثمانية في أوائل القرن التاسع عشر:
v القدس في عهد السلطان عبد المجيد
v القدس في عهد السلطان عبد العزيز
v القدس في عهد عبد الحميد الثاني
v نهاية الحكم العثماني لمدينة القدس
إطلالة على دولة الخلافة
يتبع الحديث عن القدس بعد صلاح الدين فترة حكم العثمانيين الذي لا يقل في أهميته عن الحديث عنها في زمن صلاح الدين والمماليك لطولةالمدة التي حكموها إذ ان حكمهم امتد من 922 – 1336 هـ 1516 – 1917م إلى أن احتلها الإنكليز.
وفي عهدهم أصبحت القدس متصرفية متصلة رأسيًا باستنبول بعد صدور قانون الولايات في سنة 1287 هـ 1817 م وأطلق عليها قدس شريف متصرفلغي– إدارة مستقلة) وبعد أربع سنين صدر قانون آخر بإنشاء مجالس بلدية في مراكز الولايات والمتصرفات، لكن المجلس البلدي في القدس قبل ذلك كان قد تولى منذ سنة 1863 بعض مسئوليات القاضي وبعض مسئوليات المجلس الاستشاري في إدارة شئون المدينة الداخلية كالنظافة والمياه والأسواق تحت رقابة المتصرف العامة، ويرد ذكر بلدية القدس في تقرير عن مشروع مياهها أرسله القنصل البريطاني إلى السفارة في استانبول ويرجع السبب في هذه المتصرفية إلى أن متصرف القدس أصبح يومها منتخب لمدة أربع سنوات، بموجب نظام صادر بتشكيل البلديات وهذا النظام يسمى نظام الولايات وقد بلغ عدد أعضاء هذا المجلس سنة 1917م ستة أعضاء أربعة من العرب واثنان من اليهود فلم يغير الإنكليز وضع البلدية عما كانت عليه في عهد العثمانيين.
وفي عهد العثمانيين أيضًا حدثت فتن وأوبئة واضطرابات وانتفاضات وانقلابات غيرت معالم القدس، فحدثت الانتفاضة الشعبية سنة 1115 هـ بقيادة محمد بن مصطفى الحسيني نقيب الأشراف بسبب الضرائب الباهظة التي فرضت على السكان الأمر الذي حال دن تنفيذ ذلك إذ عزل حاكمها آنذاك جورجي محمد باشا وعين بدله محمد بن مصطفى مؤقتًا.وحدث سنة 373 هـ مرض الكوليرا في القدس والذي أدى إلى موت ثلاثة آلاف شخص من القدس وحدها دون سائر فلسطين الذين كان عددهم آنذاك عشرين ألف نسمة.
وعن اهتمام العثمانيين بالقدس فقد اهتموا بإعادة تعمير الحرم القدسي الشريف وإصلاحه واهتموا كذلك بإنشاء المراكز والمنشآت الدينية والاقتصادية وخاصة في عهد السلطان سليمان القانوني التي كانت تحيط بالأجزاء العلوية من الجدران الخارجية بالفاشاني المزخرف والأجزاء السفلية بالرخام وكذلك تجديد سور القدس الذي استمر خمس سنوات وأنفقت عليه الأموال الطائلة.
النقود والمسكوكات في العهد التركي:
يظهر أن النقود التي كانت، في بداية الحكم التركي، رائجة بين سكان بيت المقدس هي التي سكت على عهد المماليك، وأن قيمة هذه المسكوكات قد هبط إلى الحضيض مع زوال حكم المماليك. الأمر الذي حدا بالسطان قانوني إلى سك فلوس جديدة سميت باسمه. ويظهر أيضًا أن الناس في بادئ الأمر أقبلوا على التعامل بالفلوس الجديدة وأهملوا القديمة لهبوط قيمتها الأمر الذي أحدث ارتباكًا في الأسواق فراحت جماعة من المسلمين إلى نائب القدس تشكوا أمرها قائلة إنها تضررت من قلة الفلوس الجديدة وتقرر أن تكون الفلوس القديمة المسكوكة كل أربعة بربع. وذلك برضا جماعة السوقة وأحمد بن أبي بكر محتسب القدس الشريف.
وحدثت فتنة كنيسة القيامة سنة 1171 هـ التي ذهب ضحيتها الكثير من الجرحى والقتلى من الروم الأرثوذكس والإفرنج، وانتصر العثمانيون للأرثوذكس وسلموهم جميع الأماكن المسيحية في المدينة.
وظهر وباء خطير فتك بسكان القدس والبلاد المجاورة واستمر لأكثر من ستة أشهر.
وحدثت غزوة نابليون سنة 1213 هـ لمصر ولم يستطع الاقتراب من القدس بعد هزيمته المنكرة في عكا.
وحدث حريق الجزء الغربي لكنيسة القيامة سنة 1223 هـ واتهام الأرمن بتدبيره.
وحدثت الثورة الشعبية ضد والي دمشق سنة 1223هـ بسبب الضرائب التي فرضها على السكان ففجر الفلاحون ثورة عارمة في المنطقة المحيطة بالقدس امتدت إلى داخل القدس نفسها، قاد والي دمشق بنفسه خمسة آلاف جندي لمواجهة الثائرين وانتهى الأمر بأن يدفع الفلاحون الثائرون غرامة كبيرة ولكن ما إن ارتحل الوالي حتى ثار الأهالي فاستولوا على قلعة القدس وأقاموا على حراسة أبواب المدينة حراسة شديدة، ولكن ما لبثت السلطات العثمانية أن أرسلت والي دمشق على رأس ألفي جندي إلى القدس لمفاوضة زعماء القدس الذين رفضوا التزحزح عن موقفهم بأن لا يستقبلوا بين ظهرانيهم أي أجنبي أو غريب (عثماني أو ألباني) لكن ضراوة قصف العثمانيين للمدينة بالمدفعية أجبرت الثائرين على الاستسلام فانتهت الثورة دون سفك دماء.
|
Brak komentarzy:
Prześlij komentarz