niedziela, 11 listopada 2018

مدينة السلام ج3

7.    القدس في مملكة الإسكندر

هذه الحلقة من تاريخ القدس والعالم استكمال لسيطرة العنصر الآري، الذي مثله الفرس قبل ذلك، ولكن طريقة السيطرة هذه المرة ستكون بشكل آخر يستمر حتى الفتح الإسلامي (القرن السابع الميلادي) مع استثناءات قليلة؛ حيث سيطر الأوروبيون – من الإغريق والرومان كقوتين متفوقتين في العالم – انطلاقا من بلادهم، طوال هذه الفترة..
أما الإغريق، فقد زحف بهم الإسكندر الثالث (الأكبر) حتى كوّن لهم دولة عظيمة، بلغ بها الشرق الأقصى، وضمت آسيا الصغرى ومصر وسوريا وفلسطين وبلاد الرافدين والهند وغيرها..
كانت القدس في هذه الأثناء خاضعة للفرس الأخمينيين، ويتولى إدارتها – فيما يُعتقد – يهود موالون للإمبراطور الفارسي، ففوجئ العالم بخروج فيليب (382 – 336 ق.م) – أمير مقدونيا ووالد الإسكندر – وتوحيده المدن اليونانية وما أحاط بها. ودبّر حينئذ للقاء الفرس، وهي الدولة الأقوى والأكثر نظاما وتحضرا في العالم وقتها، ولكنه اغتيل، ليحل محله ابنه الشهير الإسكندر المقدوني (356 – 323 ق.م)، الذي لم يعش طويلا، ولكنه أثر في تاريخ العالم تأثيرا كبيرا وعميقا، وأهم ما فعله هو إسقاط الدولة الفارسية الأخمينية في عهد ملكها دارا الثالث (380؟ – 330 ق.م)، حيث التقى الفريقان عند نهر إسوس (طرسوس القديمة) سنة 333 ق.م، وشرق نهر دجلة سنة 331 ق.م، وانتصر الإسكندر في المرتين، وانحل مُلك دارا..راحت القاعدة التاريخية تسري على فلسطين من جديد، وهي أن القوة الأقوى – في الغالب – هي التي تستولي عليها، وقد فعل الإسكندر هذا، فبعد معركة إسوس اتجه نحو سوريا وفلسطين، وفتح استيلاؤه على صور القوية سنة 332 ق.م الطريق أمامه للسيطرة على بقية المنطقة، فاستولى على القدس، ودخل غزة، ومنها توجه إلى مصر.
وقد ارتكب الإسكندر فظائع في صُورَ وغزّة لمقاومتهما العنيفة له، وقد كانت “صور” أصعب مدينة لقيها الإسكندر في حروبه الطويلة في العالم؛ إذ امتد حصاره لها سبعة أشهر.
ومما يخص القدس هنا أن الإسكندر عامل يهودها برفق يشبه ما كان عليه الفرس في هذا الأمر، ويقال إن أحد أحبار اليهود أثّر فيه، ونال رضاه، وشفع لقومه عنده..
ولكن مدينة القدس نفسها ضعفت أهميتها التجارية والسياسية في هذه الأثناء، وسط هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف، واكتفت القوافل التجارية بالمرور بالمدن الفلسطينية الأخرى ذات الموقع الأفضل والغنى الأكثر في المواد الخام.
وعلى الرغم من موت الإسكندر في شبابه المبكر (سنة 322 ق.م)، فإن السياسات التي أقرها، والنظم التي ثبّتها – أثرت في تاريخ القدس والمنطقة ثلاثة قرون متتالية، وذلك أنه ثبّت دعائم دولة قوية في مصر، ونازعتها دولة أخرى في سوريا والعراق، وكلتاهما مثّلتا الثقافة والحضارة اليونانية، التي كانت طابع هذا الزمن، وكان لها تأثير مباشر على الثقافات القائمة حينئذ، حتى لجأ المفكرون اليهود إلى فلسفة كتابهم المقدس حتى يتخلصوا من تناقضاته، ويُظهروا توافقه مع العقل والمنطق.
لم يستطع هيراكليس – الطفل الصغير الذي تركه الإسكندر على العرش – ولا أريداوس – أخو الإسكندر ذو الإمكانات الضعيفة والذي سعى البعض إلى وضعه على العرش – أن يفعلا شيئا؛ لذلك تنازع الأمراء الإغريق من بعد القائد الراحل على السلطان، وكوّن بطليموس الأول دولة قوية في مصر، وفعل سلوقس مثلَه في بابل وأنطاكية، ونُسبت الدولتان (البطلمية والسلوقية) إلى الرجلين، وتبادلتا السيطرة على القدس، لكن السمت الإغريقي كان مشتركا بينهما..
وفي هذه المرحلة من التاريخ، ولعشرات متتالية من السنين، تعرضت القدس وفلسطين عموما- “باعتبارها منطقة عبور مركزية للقوات المتصارعة – للغزو المتواصل من الجيوش السائرة من آسيا الصغرى إلى سوريا أو مصر، تحمل أمتعتها ومعداتِها وعائلاتها وعبيدَها. وفُتحت أورشليم ست مرات على الأقل في تلك السنوات”.

8.    القدس تحت حكم البطالمة

أتاح الموت المبكر للإسكندر، دون أن يترك من بعده خلَفًا قويا، الفرصة لقواده أن يكوّنوا دولا مستقلة تتوارثها ذرياتهم، وكان بطليموس الأول ابن لاجوس – الصديقُ الحميم للإسكندر – من أهم هؤلاء القادة وأشهرهم؛ إذ قام كرسيُّ مملكته في مصر، وذلك بعد تناحر وتقاتل شديد بين أخلاف الإسكندر، أدى إلى اختفاء الأسرة المالكة تمامًا – إما بالقتل وإما بغيره – بعد بضع سنوات من موت الإسكندر.
وقد تحكمت الجغرافيا في التحركات الحربية والسياسية لبطليموس، الذي كان يطمع في أن تكون له في مصر دولة بحرية قوية، فوجد نفسه مضطرا لخوض الحرب من أجل المواني الفينيقية الرابضة على شواطئ المتوسط الشرقية، فكان يناور – أو يضطر – أحيانا إلى ترك سوريا ومدن الساحل في يد خصومه، لكنه سرعان ما كان يعاود الرجوع إليها من أجل هدفه الكبير..
إن كثرة الحروب في تلك الفترة، وتوالد الأحلاف بعضها ضد البعض الآخر – يجعل أحداثها متداخلة مختلطة، خاصة أن الحلفاء اليونانيين كانت تحدث بينهم شقاقات وخلافات متجددة، تؤدي إلى اندلاع الحرب بينهم. كما أن أسماء المشاركين في تلك الأحداث كانت كثيرة بشكل لافت للنظر.
لكنْ يبقى اسما “بطليموس” و”سلوقس” – فيما يخص القدس على الأقل – من أبرز الأسماء في أحداث التصارع والتنافس اليوناني، فقد أقام كل منهما – وكانا حليفين وصديقين في الأصل – دولة عُمِّرت في مكانها زمنا، فكان سلوقس في بابل وأنطاكية، وبطليموس في مصر، وهما الموطِنان المتنافسان على مدن فلسطين وسوريا منذ أقدم العصور..
لقد كانت القدس قبيل سنة 318 ق.م تحت سيطرة أمير مصر اليوناني بطليموس الأول لأول مرة، وقد دخلها – كما تشير بعض الروايات – يوم السبت، الذي يقدسه اليهود، مستغلا طقوسهم وعاداتهم في الامتناع عن العمل في هذا اليوم..
ولكن قدمي بطليموس لم تستقرا في القدس وعموم الشام مرة واحدة:
 ففي عام 315 ق.م هزمته جيوش أنتيجونس – المنافس القوي على خلافة الإسكندر – حتى اضطر بطليموس إلى ترك القدس فيما تركه من أرض سوريا وفلسطين.
 وفي عام 312 ق.م كان بطليموس قد أعد العدة لاستعادة الشام، ووقعت الحرب بينه وبين جيوش أنتيجونس التي كان يقودها ابنه ديمتريوس، فانتصر بطليموس قرب غزة انتصارا ساحقا، وكان أهم حلفائه حينئذ سلوقس، الذي قدّم له بطليموس المعونة للعودة إلى عرشه في بابل بعد هذه المعركة.
 وشهد عام 311 ق.م معركة أخرى ساخنة في شمال الشام بين قوات بطليموس وبين قوات ديمتريوس الذي حقق تفوقًا واضحًا، وسيطر على سوريا، في حين اتجه أبوه أنتيجونس بقوات أخرى حتى سيطر على فلسطين..
 وقد أعلن بطليموس نفسه سنة 305 ق.م ملكًا على مصر، حين هدأت بعض العواصف الثائرة حول تركة الإسكندر الأكبر، وإن بقيت الأحقاد متوارية داخل النفوس، وكاشفة عن نفسها في الوقائع والحروب.
 في هذه الأثناء كان العديد من القادة اليونانيين – مثل بطليموس وسلوقس – يشكلون تحالفا واحدا ضد “أنتيجونس”، الذي سيطر على مساحات واسعة من ممتلكات الإسكندر الآسيوية، وطمع في أن يكون هو العاهل الأكبر للإمبراطورية كلها. وفي سنة 301 ق.م سحق المتحالفون جيوش “أنتيجونس” عند سهل إسُّوس (طرسوس)، وقتلوه هو نفسه، ولكن بطليموس لم يشارك في هذه المعركة، وبالتالي رأى حلفاؤه أنه لا حق له في السيطرة على سوريا التي وعدوه بها، وقرروا منحها لسلوقس.
 اعترض بطليموس على هذا القرار، وسارع بالسيطرة على سوريا وفلسطين ومدن الشاطئ المتوسطي سنة 301 ق.م، ومن هنا امتد الصراع على القدس وعموم الإقليم السوري بين الأسرتين زمنا طويلا، وكان هذا جزءًا من تاريخ القدس، بقيت المدينة خلاله تابعة لبطالمة مصر قرنا من الزمان..

9.    الأثر البطلمي على القدس

بقيت القدس في يد بطليموس سوتر أو بطليموس الأول بقية حياته (توفي سنة 282 ق.م) منذ سارع بالاستيلاء عليها سنة 301 ق.م، واستمر خلفاؤه من البطالمة هناك بشكل متواصل تقريبا طوال قرن كامل من الزمان..
وكان نفي بطليموس الأول لليهود خارج القدس، ونقله الكثير منهم إلى الإسكندرية، وتغلبه على المحاولات السلوقية للسيطرة على المدينة – من أهم أعماله ذات الصلة بتاريخ القدس..
وقد بقيت الطائفة اليهودية المنفية إلى الإسكندرية من أهم الطوائف اليهودية في العالم حينئذ، وكان لهم دور كبير في فلسفة الفكر الديني اليهودي؛ ليتوافق مع التراث الفلسفي والفكري لليونان..
وبعد بطليموس الأول تولى ابنه بطليموس فيلادلفوس أو الثاني، وقد جلب – فيما يقال – اثنين وسبعين حبرًا يهوديا من القدس إلى الإسكندرية، حيث أمرهم بنقل أسفار العهد القديم إلى اليونانية، فبدءوا في أداء هذه المهمة – حسب الرواية – سنة 285 ق.م، وسُمّيت هذه الترجمة بـ “السبعينية”، وهي ترجمة يرى الباحثون أنها غير دقيقة.
ومن العجيب في هذه القضية أن يستجلب بطليموس الثاني أحبارا من “القدس” للقيام بهذه المهمة، وكان الأولى به أن يستعين باليهود القريبين منه في الإسكندرية، وكان الكثير منهم ذوي ثقافة ممتازة، كما لم تكن اللغة اليونانية قد أخذت موضعها المكين لدى سكان مدينة هامشية بالنسبة لليونانيين كالقدس، حتى يُكلَّف أهلها بهذه المهمة الثقيلة.
كما أننا لا ندري سببا لرعاية ملك وثني لترجمة هذه الأسفار، التي تأثرت كثيرًا بالأمم التي تَوَزَّع اليهود بينها.
ويسجل المؤرخون أن اليونانيين كانوا من أبرع الأمم وأحرصها على صبغ حياة الشعوب التي يغزونها بصبغة الإغريق الثقافية، وعلى الرغم من أن القدس لم تكن حينئذ في القلب من عملية “الأغرقة” هذه – إن صح التعبير – فإن أحد الدارسين يسجل أنه “لم يمض قرن على موت الإسكندر حتى تأثرت هي أيضا بإغراء الهيلينية (وهي الثقافة والحياة الإغريقية) الذي لا مهرب منه، وهو إغراء مادي من ناحية، ففي وسعك أن تتصور التجار الإغريق يغدون ويروحون في أسواق أورشليم، والفرصةَ المتاحة لكل يهودي حاذق مغامر في المراكز التجارية الهيلينية العظمى التي تنتشر الآن من حوله.. ثم إنه إغراء اجتماعي – من ناحية أخرى – ذلك أن الهيلينية كانت بسبيلها إلى أن تصبح الهواء الذي يتنفسه الناس، ولم يمض طويل زمن حتى عرضت مفاتنها الاجتماعية، بل والرياضية جهارا أمام أعين الشباب الطموح في أورشليم..”.
وظلت الثقافة الإغريقية تقدم إغراءاتها لشعوب المنطقة، ولاحظ الدارسون تأثير ذلك بقوة على حياة اليهود، فقال أحدهم: “لا شك أنه كانت هناك معارضة للأساليب الهلينية، ولكن الأسر النبيلة الغنية – بل وأوساط الكهنة أيضا – تغلغلت فيها المطامع الدنيوية، وأصبحت لا تكترث بالمعايير القديمة التي فرضتها اليهودية المدققة”.
والأثر البطلمي على عموم فلسطين سجلته مجموعة برديات اكتشفها الأثريون، وسميت “برديات زينون”، فقد أثبتت أن فلسطين كانت تمد مصر بزيت الزيتون والخيول العربية والأغنام والرقيق والفضة، وأوردت البرديات أسماء مدن فلسطينية اتخذت أسماء بيزنطية..
وفي العهد البطلمي لم تكن القدس هي أهم مدن فلسطين، بل شغلت هذه المكانةَ مدينةُ عكا الساحلية، والتي سُميت حينئذ “بطلمية”.
وأما القدس، فكان فيها وفيما حولها تجمع يهودي موالٍ تمامًا للبطالمة، ويدفع زعماؤه لهم الجزية. وظهرت بين اليهود موجة من التحرر من الدين بتأثير الفترة البطلمية. وقد حاول بطليموس الرابع توحيد الأديان مع اليهود، فجعل الرب الإغريقي ديونيسوس هو الجامع بين يهوه (الإله الخاص باليهود) وسرابيس (معبود الإغريق). وعلى الرغم من شناعة ذلك استجاب المتحررون الجدد من اليهود لبطليموس.
لكن هذا الولاء اليهودي تلاشى مع تزايد فرض الضرائب عليهم من قِبَل البطالمة، فعاونوا أنطيوخوس الثالث في لقائه الحاسم ضد البطالمة سنة 200 ق.م، والذي دخلت بعده القدس تحت سلطان السلوقيين.

10.                      الصراع البطلمي السلوقي على القدس

اعترافًا بفضله في إعانته على استعادة عرشه، لم يشأ سلوقس الأول أن يحارب بطليموس الأول حين سيطر على الإقليم السوري (والقدس جزء من قطاعه الجنوبي) عقب معركة إسوس سنة 301 ق.م، لكن العداوة بين الأسرتين ظلت تُتَوارَث وتنتقل من جيل إلى جيل، حتى وقعت سلسلة حروب طويلة في الصراع على هذا الإقليم
حافظ بطليموس فيلادلفوس تسمَّى “الحروب السورية”. (الثاني) على سياسة أبيه في استمرار التمسك بفلسطين وسوريا؛ فوقعت الحرب السورية الأولى بينه وبين ملك بابل السلوقي أنطيخوس الأول من سنة 276 – 272 ق.م. ويبدو أن جماعات البدو في فلسطين وسوريا آزرت السلوقيين على البطالمة في هذه الحلقة من الصراع؛ فأحد النقوش الهيروغليفية بمتحف اللوفر يشير إلى أن بطليموس فرض الجزية على مدن آسيا، وطارد بدوها وفتك بهم. في حين يشير نقش بابلي بالكتابة المسمارية إلى أن الجيش البابلي (أي السلوقي القادم من بابل) دحر الجيش البطلمي في الشام. والمؤرخون يؤكدون أن هذا يشير إلى استيلاء السلوقيين على دمشق، ويؤكدون أيضا أن البطالمة ظلوا يتحكمون في الشاطئ الفينيقي ومدنه البحرية العظيمة (صيدا وصور على وجه الخصوص)، وكانت هذه المدن هي أهم ما يعنيهم..
وهذا يشير إلى أن مدينة داخلية، ليست ذات موارد تُطمِع أحدا فيها (كالقدس) – لم تكن في هذا الزمن هي موضع التنافس والخلاف، بل دفع إلى كل هذه الحروب التنافسُ على المدن والشواطئ الغنية وذات الموقع التجاري المؤثر..
وقد عقد أنطيوخوس الأول وبطليموس الثاني هدنة سنة 272 – 271 ق.م، انسحب السلوقيون على أثرها من الشام كله، وبقي في يد البطالمة.
وبعد حوالي عشرين عاما تجددت الحرب بين البطالمة والسلوقيين (في عهد بطليموس الثاني وأنطيوخوس الثاني)، وانتهى الأمر سنة 252 ق.م بهدنة أخرى أبقت القدس وغيرها من أنحاء سوريا الكبرى في يد بطليموس الثاني.
وفي عام 200 ق.م حقق السلوقيون نصرا حاسما على خصومهم البطالمة في معركة بانيون (بالقرب من نهر الأردن) أثناء وقائع الحرب السورية الخامسة، فخرجت القدس وفلسطين – على أثر ذلك – من يد البطالمة تماما، وإلى الأبد، على الرغم من محاولات بطليموس السادس والتاسع استعادتها..
ومن أهم ملوك السلوقيين الذين كانت لهم أعمال مهمة تتصل بالقدس:
 أنطيوخوس الثالث: انتصر على البطالمة، وحقق حُلم أجداده في ضم الإقليم السوري كله إلى مملكته، وزار بيت المقدس سنة 177 ق.م فاستقبله يهودها المتحررون بالترحاب، وطلبوا منه أن يقيم لهم جمنازيوم إغريقيا ودارا للشبيبة، “وأن يدمج بعض الضواحي في أورشليم لتصبح بمثابة أنطاكية جديدة لما حولها”، وقد استجاب لكل ذلك، كما حسم الصراع الداخلي بين اليهود على منصب الحبر الأعظم، واختار له شخصا مواليا له.
 أنطيوخوس الرابع: (أبيفانس) كان حاكما متعصّبا للثقافة الإغريقية، حاول فرضها على الناس بالقوة، وكان يرى في متعصبي اليهود قوة مناهضة لمشروعاته تعطل فرض هذه الثقافة، فعمد – فيما تذكر الروايات – إلى تحويل بيت عبادتهم إلى بيت للأوثان، وتحريم بعض عاداتهم وشرائعهم، واضطهدهم بشدة. وسعى أبيفانس إلى إجراء آخر خطير، وهو تغيير اسم المدينة من “أورشليم” إلى “مدينة زيوس الأولمبي”، ولكنه فشل فيما نجح فيه الرومان من بعد حين أطلقوا على القدس اسم “إيلياء”.
وقد أدت الإجراءات القاسية من بعض ملوك السلوقيين إلى ثورة يهودية اشتهرت في التاريخ باسم “الثورة المكابية”، أنهت سيطرة اليونان على القدس، ومهّدت الطريق أمام الرومان الذين قضوا في المنطقة زمنا طويلا.

11.                      الثورة المَكابية

بدأت هذه الثورة ضد السيطرة اليونانية السلوقية سنة 167 ق.م، وقادتْها أسرة تسمى “الحشمونية”، قيل إن زعيمها كان كاهنا طاعنا في السن يسمى “ماتاثيوس”، ويُعينه خمسة أولاد له، منهم يهوذا الذي لُقِّب بـ “مكابيوس” (أي المطرقة)، وقد قاد قومه سنة 165 ق.م إلى انتصارات مفاجئة على حكام سوريا السلوقيين، حتى دخل بهم القدس، وطهر بيت العبادة من وثنية اليونان..
وفي العام التالي حاقت الهزيمة بالثوار، لكنهم نالوا حريتهم الدينية، وتُرك لهم الإشراف على بيت عبادتهم في القدس، وإقامة شعائر دينهم بحرية.
وحين اندلع القتال من جديد كانت اللقاءات ساخنة، حتى قُتل زعيم اليهود، برغم الانتصار الذي  حققه أتباعه، في معركة عَدَسا سنة 161 ق.م، حيث كان اليهود قد طلبوا المعونة من الرومان.
وقاد بني إسرائيل في المرحلة التالية يوناثان – الابن الثاني لماتاثيوس – حيث كان دعاة الثقافة الهلينستية (أي اليونانية المطعَّمة بشيء من الثقافات الشرقية) قد عادوا للسيطرة على الأوضاع من جديد، لكن يوناثان كسر خصومه من السلوقيين الذين كانت الفُرقة قد دبت بينهم، وأصبح هو كاهن قومه سنة 153 ق.م..
وبعد اغتيال يوناثان استطاع أخوه سمعان قيادة قومه سنة 142 ق.م، حتى اعترف لهم ديمتريوس الثاني – ملك سوريا السلوقي – بحريتهم، وصار كاهنا وملكا في أورشليم.
وكان من المنتظر أن تكون هذه بداية لدولة يهودية قوية، ولكن التاريخ سجل لنا غير ذلك، حتى قال أحد الدارسين الغربيين: “كان الجمع بين رئاسة الكهنة والمُلك في يد شخص واحد كارثة كبرى على اليهود، فقد سُخِّرت وظائف كبير الكهنة لخدمة المآرب الدنيوية”.
وحاول بطالمة مصر في عهد عاهل أورشليم الإسكندر حنايوس (104 – 78 ق.م) السيطرة على الدولة اليهودية، لكن الهدف من الحرب لم يتحقق، ورجع البطالمة إلى حدودهم، على الرغم من الشقاق اليهودي الداخلي..
نشبت حرب أهلية في الكيان اليهودي المتهالك، ووقعت الفرقة في الدولة الضعيفة أصلا، وانقسموا فريقين متباغضين (الصدوقيين والفريسيين)، وساند الإسكندر حنايوس الصدوقيين، وارتكب مذبحة بشعة ضد الفريسيين، حتى صلب – كما تحكي الرواية – ثمانمائة منهم، ونصب موائد الطعام أمامهم، ليتناوله هو وأتباعه على مشهد من خصومهم الذين يعانون أمامهم سكرات الموت!!
كان هذا مُؤْذِنا بكارثة قريبة تحل بهذا المجتمع المريض، الذي خالف تعاليم الأنبياء، ودنس أرض القدس بأنواع شتى من المنكرات، وأراق الدماء الحرام فوق الأرض التي شهدت أياما مجيدة من جهاد الرسل، ودعوتهم الخلق إلى الله.. وتمثلت هذه الكارثة في استيلاء القائد الرومي بومبي على القدس وفلسطين..
 م يستطع هيراكليس – الطفل الصغير الذي تركه الإسكندر على العرش – ولا أريداوس – أخو الإسكندر ذو الإمكانات الضعيفة والذي سعى البعض إلى وضعه على العرش – أن يفعلا شيئا؛ لذلك تنازع الأمراء الإغريق من بعد القائد الراحل على السلطان، وكوّن بطليموس الأول دولة قوية في مصر، وفعل سلوقس مثلَه في بابل وأنطاكية، ونُسبت الدولتان (البطلمية والسلوقية) إلى الرجلين، وتبادلتا السيطرة على القدس، لكن السمت الإغريقي كان مشتركا بينهما..
وفي هذه المرحلة من التاريخ، ولعشرات متتالية من السنين، تعرضت القدس وفلسطين عموما- “باعتبارها منطقة عبور مركزية للقوات المتصارعة – للغزو المتواصل من الجيوش السائرة من آسيا الصغرى إلى سوريا أو مصر، تحمل أمتعتها ومعداتِها وعائلاتها وعبيدَها. وفُتحت أورشليم ست مرات على الأقل في تلك السنوات”.

8.    القدس تحت حكم البطالمة

أتاح الموت المبكر للإسكندر، دون أن يترك من بعده خلَفًا قويا، الفرصة لقواده أن يكوّنوا دولا مستقلة تتوارثها ذرياتهم، وكان بطليموس الأول ابن لاجوس – الصديقُ الحميم للإسكندر – من أهم هؤلاء القادة وأشهرهم؛ إذ قام كرسيُّ مملكته في مصر، وذلك بعد تناحر وتقاتل شديد بين أخلاف الإسكندر، أدى إلى اختفاء الأسرة المالكة تمامًا – إما بالقتل وإما بغيره – بعد بضع سنوات من موت الإسكندر.
وقد تحكمت الجغرافيا في التحركات الحربية والسياسية لبطليموس، الذي كان يطمع في أن تكون له في مصر دولة بحرية قوية، فوجد نفسه مضطرا لخوض الحرب من أجل المواني الفينيقية الرابضة على شواطئ المتوسط الشرقية، فكان يناور – أو يضطر – أحيانا إلى ترك سوريا ومدن الساحل في يد خصومه، لكنه سرعان ما كان يعاود الرجوع إليها من أجل هدفه الكبير..
إن كثرة الحروب في تلك الفترة، وتوالد الأحلاف بعضها ضد البعض الآخر – يجعل أحداثها متداخلة مختلطة، خاصة أن الحلفاء اليونانيين كانت تحدث بينهم شقاقات وخلافات متجددة، تؤدي إلى اندلاع الحرب بينهم. كما أن أسماء المشاركين في تلك الأحداث كانت كثيرة بشكل لافت للنظر.
لكنْ يبقى اسما “بطليموس” و”سلوقس” – فيما يخص القدس على الأقل – من أبرز الأسماء في أحداث التصارع والتنافس اليوناني، فقد أقام كل منهما – وكانا حليفين وصديقين في الأصل – دولة عُمِّرت في مكانها زمنا، فكان سلوقس في بابل وأنطاكية، وبطليموس في مصر، وهما الموطِنان المتنافسان على مدن فلسطين وسوريا منذ أقدم العصور..
لقد كانت القدس قبيل سنة 318 ق.م تحت سيطرة أمير مصر اليوناني بطليموس الأول لأول مرة، وقد دخلها – كما تشير بعض الروايات – يوم السبت، الذي يقدسه اليهود، مستغلا طقوسهم وعاداتهم في الامتناع عن العمل في هذا اليوم..
ولكن قدمي بطليموس لم تستقرا في القدس وعموم الشام مرة واحدة:
 ففي عام 315 ق.م هزمته جيوش أنتيجونس – المنافس القوي على خلافة الإسكندر – حتى اضطر بطليموس إلى ترك القدس فيما تركه من أرض سوريا وفلسطين.
 وفي عام 312 ق.م كان بطليموس قد أعد العدة لاستعادة الشام، ووقعت الحرب بينه وبين جيوش أنتيجونس التي كان يقودها ابنه ديمتريوس، فانتصر بطليموس قرب غزة انتصارا ساحقا، وكان أهم حلفائه حينئذ سلوقس، الذي قدّم له بطليموس المعونة للعودة إلى عرشه في بابل بعد هذه المعركة.
 وشهد عام 311 ق.م معركة أخرى ساخنة في شمال الشام بين قوات بطليموس وبين قوات ديمتريوس الذي حقق تفوقًا واضحًا، وسيطر على سوريا، في حين اتجه أبوه أنتيجونس بقوات أخرى حتى سيطر على فلسطين..
 وقد أعلن بطليموس نفسه سنة 305 ق.م ملكًا على مصر، حين هدأت بعض العواصف الثائرة حول تركة الإسكندر الأكبر، وإن بقيت الأحقاد متوارية داخل النفوس، وكاشفة عن نفسها في الوقائع والحروب.
 في هذه الأثناء كان العديد من القادة اليونانيين – مثل بطليموس وسلوقس – يشكلون تحالفا واحدا ضد “أنتيجونس”، الذي سيطر على مساحات واسعة من ممتلكات الإسكندر الآسيوية، وطمع في أن يكون هو العاهل الأكبر للإمبراطورية كلها. وفي سنة 301 ق.م سحق المتحالفون جيوش “أنتيجونس” عند سهل إسُّوس (طرسوس)، وقتلوه هو نفسه، ولكن بطليموس لم يشارك في هذه المعركة، وبالتالي رأى حلفاؤه أنه لا حق له في السيطرة على سوريا التي وعدوه بها، وقرروا منحها لسلوقس.
 اعترض بطليموس على هذا القرار، وسارع بالسيطرة على سوريا وفلسطين ومدن الشاطئ المتوسطي سنة 301 ق.م، ومن هنا امتد الصراع على القدس وعموم الإقليم السوري بين الأسرتين زمنا طويلا، وكان هذا جزءًا من تاريخ القدس، بقيت المدينة خلاله تابعة لبطالمة مصر قرنا من الزمان..

9.    الأثر البطلمي على القدس

بقيت القدس في يد بطليموس سوتر أو بطليموس الأول بقية حياته (توفي سنة 282 ق.م) منذ سارع بالاستيلاء عليها سنة 301 ق.م، واستمر خلفاؤه من البطالمة هناك بشكل متواصل تقريبا طوال قرن كامل من الزمان..
وكان نفي بطليموس الأول لليهود خارج القدس، ونقله الكثير منهم إلى الإسكندرية، وتغلبه على المحاولات السلوقية للسيطرة على المدينة – من أهم أعماله ذات الصلة بتاريخ القدس..
وقد بقيت الطائفة اليهودية المنفية إلى الإسكندرية من أهم الطوائف اليهودية في العالم حينئذ، وكان لهم دور كبير في فلسفة الفكر الديني اليهودي؛ ليتوافق مع التراث الفلسفي والفكري لليونان..
وبعد بطليموس الأول تولى ابنه بطليموس فيلادلفوس أو الثاني، وقد جلب – فيما يقال – اثنين وسبعين حبرًا يهوديا من القدس إلى الإسكندرية، حيث أمرهم بنقل أسفار العهد القديم إلى اليونانية، فبدءوا في أداء هذه المهمة – حسب الرواية – سنة 285 ق.م، وسُمّيت هذه الترجمة بـ “السبعينية”، وهي ترجمة يرى الباحثون أنها غير دقيقة.
ومن العجيب في هذه القضية أن يستجلب بطليموس الثاني أحبارا من “القدس” للقيام بهذه المهمة، وكان الأولى به أن يستعين باليهود القريبين منه في الإسكندرية، وكان الكثير منهم ذوي ثقافة ممتازة، كما لم تكن اللغة اليونانية قد أخذت موضعها المكين لدى سكان مدينة هامشية بالنسبة لليونانيين كالقدس، حتى يُكلَّف أهلها بهذه المهمة الثقيلة.
كما أننا لا ندري سببا لرعاية ملك وثني لترجمة هذه الأسفار، التي تأثرت كثيرًا بالأمم التي تَوَزَّع اليهود بينها.
ويسجل المؤرخون أن اليونانيين كانوا من أبرع الأمم وأحرصها على صبغ حياة الشعوب التي يغزونها بصبغة الإغريق الثقافية، وعلى الرغم من أن القدس لم تكن حينئذ في القلب من عملية “الأغرقة” هذه – إن صح التعبير – فإن أحد الدارسين يسجل أنه “لم يمض قرن على موت الإسكندر حتى تأثرت هي أيضا بإغراء الهيلينية (وهي الثقافة والحياة الإغريقية) الذي لا مهرب منه، وهو إغراء مادي من ناحية، ففي وسعك أن تتصور التجار الإغريق يغدون ويروحون في أسواق أورشليم، والفرصةَ المتاحة لكل يهودي حاذق مغامر في المراكز التجارية الهيلينية العظمى التي تنتشر الآن من حوله.. ثم إنه إغراء اجتماعي – من ناحية أخرى – ذلك أن الهيلينية كانت بسبيلها إلى أن تصبح الهواء الذي يتنفسه الناس، ولم يمض طويل زمن حتى عرضت مفاتنها الاجتماعية، بل والرياضية جهارا أمام أعين الشباب الطموح في أورشليم..”.
وظلت الثقافة الإغريقية تقدم إغراءاتها لشعوب المنطقة، ولاحظ الدارسون تأثير ذلك بقوة على حياة اليهود، فقال أحدهم: “لا شك أنه كانت هناك معارضة للأساليب الهلينية، ولكن الأسر النبيلة الغنية – بل وأوساط الكهنة أيضا – تغلغلت فيها المطامع الدنيوية، وأصبحت لا تكترث بالمعايير القديمة التي فرضتها اليهودية المدققة”.
والأثر البطلمي على عموم فلسطين سجلته مجموعة برديات اكتشفها الأثريون، وسميت “برديات زينون”، فقد أثبتت أن فلسطين كانت تمد مصر بزيت الزيتون والخيول العربية والأغنام والرقيق والفضة، وأوردت البرديات أسماء مدن فلسطينية اتخذت أسماء بيزنطية..
وفي العهد البطلمي لم تكن القدس هي أهم مدن فلسطين، بل شغلت هذه المكانةَ مدينةُ عكا الساحلية، والتي سُميت حينئذ “بطلمية”.
وأما القدس، فكان فيها وفيما حولها تجمع يهودي موالٍ تمامًا للبطالمة، ويدفع زعماؤه لهم الجزية. وظهرت بين اليهود موجة من التحرر من الدين بتأثير الفترة البطلمية. وقد حاول بطليموس الرابع توحيد الأديان مع اليهود، فجعل الرب الإغريقي ديونيسوس هو الجامع بين يهوه (الإله الخاص باليهود) وسرابيس (معبود الإغريق). وعلى الرغم من شناعة ذلك استجاب المتحررون الجدد من اليهود لبطليموس.
لكن هذا الولاء اليهودي تلاشى مع تزايد فرض الضرائب عليهم من قِبَل البطالمة، فعاونوا أنطيوخوس الثالث في لقائه الحاسم ضد البطالمة سنة 200 ق.م، والذي دخلت بعده القدس تحت سلطان السلوقيين.

10.                      الصراع البطلمي السلوقي على القدس

اعترافًا بفضله في إعانته على استعادة عرشه، لم يشأ سلوقس الأول أن يحارب بطليموس الأول حين سيطر على الإقليم السوري (والقدس جزء من قطاعه الجنوبي) عقب معركة إسوس سنة 301 ق.م، لكن العداوة بين الأسرتين ظلت تُتَوارَث وتنتقل من جيل إلى جيل، حتى وقعت سلسلة حروب طويلة في الصراع على هذا الإقليم
حافظ بطليموس فيلادلفوس تسمَّى “الحروب السورية”. (الثاني) على سياسة أبيه في استمرار التمسك بفلسطين وسوريا؛ فوقعت الحرب السورية الأولى بينه وبين ملك بابل السلوقي أنطيخوس الأول من سنة 276 – 272 ق.م. ويبدو أن جماعات البدو في فلسطين وسوريا آزرت السلوقيين على البطالمة في هذه الحلقة من الصراع؛ فأحد النقوش الهيروغليفية بمتحف اللوفر يشير إلى أن بطليموس فرض الجزية على مدن آسيا، وطارد بدوها وفتك بهم. في حين يشير نقش بابلي بالكتابة المسمارية إلى أن الجيش البابلي (أي السلوقي القادم من بابل) دحر الجيش البطلمي في الشام. والمؤرخون يؤكدون أن هذا يشير إلى استيلاء السلوقيين على دمشق، ويؤكدون أيضا أن البطالمة ظلوا يتحكمون في الشاطئ الفينيقي ومدنه البحرية العظيمة (صيدا وصور على وجه الخصوص)، وكانت هذه المدن هي أهم ما يعنيهم..
وهذا يشير إلى أن مدينة داخلية، ليست ذات موارد تُطمِع أحدا فيها (كالقدس) – لم تكن في هذا الزمن هي موضع التنافس والخلاف، بل دفع إلى كل هذه الحروب التنافسُ على المدن والشواطئ الغنية وذات الموقع التجاري المؤثر..
وقد عقد أنطيوخوس الأول وبطليموس الثاني هدنة سنة 272 – 271 ق.م، انسحب السلوقيون على أثرها من الشام كله، وبقي في يد البطالمة.
وبعد حوالي عشرين عاما تجددت الحرب بين البطالمة والسلوقيين (في عهد بطليموس الثاني وأنطيوخوس الثاني)، وانتهى الأمر سنة 252 ق.م بهدنة أخرى أبقت القدس وغيرها من أنحاء سوريا الكبرى في يد بطليموس الثاني.
وفي عام 200 ق.م حقق السلوقيون نصرا حاسما على خصومهم البطالمة في معركة بانيون (بالقرب من نهر الأردن) أثناء وقائع الحرب السورية الخامسة، فخرجت القدس وفلسطين – على أثر ذلك – من يد البطالمة تماما، وإلى الأبد، على الرغم من محاولات بطليموس السادس والتاسع استعادتها..
ومن أهم ملوك السلوقيين الذين كانت لهم أعمال مهمة تتصل بالقدس:
 أنطيوخوس الثالث: انتصر على البطالمة، وحقق حُلم أجداده في ضم الإقليم السوري كله إلى مملكته، وزار بيت المقدس سنة 177 ق.م فاستقبله يهودها المتحررون بالترحاب، وطلبوا منه أن يقيم لهم جمنازيوم إغريقيا ودارا للشبيبة، “وأن يدمج بعض الضواحي في أورشليم لتصبح بمثابة أنطاكية جديدة لما حولها”، وقد استجاب لكل ذلك، كما حسم الصراع الداخلي بين اليهود على منصب الحبر الأعظم، واختار له شخصا مواليا له.
 أنطيوخوس الرابع: (أبيفانس) كان حاكما متعصّبا للثقافة الإغريقية، حاول فرضها على الناس بالقوة، وكان يرى في متعصبي اليهود قوة مناهضة لمشروعاته تعطل فرض هذه الثقافة، فعمد – فيما تذكر الروايات – إلى تحويل بيت عبادتهم إلى بيت للأوثان، وتحريم بعض عاداتهم وشرائعهم، واضطهدهم بشدة. وسعى أبيفانس إلى إجراء آخر خطير، وهو تغيير اسم المدينة من “أورشليم” إلى “مدينة زيوس الأولمبي”، ولكنه فشل فيما نجح فيه الرومان من بعد حين أطلقوا على القدس اسم “إيلياء”.
وقد أدت الإجراءات القاسية من بعض ملوك السلوقيين إلى ثورة يهودية اشتهرت في التاريخ باسم “الثورة المكابية”، أنهت سيطرة اليونان على القدس، ومهّدت الطريق أمام الرومان الذين قضوا في المنطقة زمنا طويلا.

11.                      الثورة المَكابية

بدأت هذه الثورة ضد السيطرة اليونانية السلوقية سنة 167 ق.م، وقادتْها أسرة تسمى “الحشمونية”، قيل إن زعيمها كان كاهنا طاعنا في السن يسمى “ماتاثيوس”، ويُعينه خمسة أولاد له، منهم يهوذا الذي لُقِّب بـ “مكابيوس” (أي المطرقة)، وقد قاد قومه سنة 165 ق.م إلى انتصارات مفاجئة على حكام سوريا السلوقيين، حتى دخل بهم القدس، وطهر بيت العبادة من وثنية اليونان..
وفي العام التالي حاقت الهزيمة بالثوار، لكنهم نالوا حريتهم الدينية، وتُرك لهم الإشراف على بيت عبادتهم في القدس، وإقامة شعائر دينهم بحرية.
وحين اندلع القتال من جديد كانت اللقاءات ساخنة، حتى قُتل زعيم اليهود، برغم الانتصار الذي  حققه أتباعه، في معركة عَدَسا سنة 161 ق.م، حيث كان اليهود قد طلبوا المعونة من الرومان.
وقاد بني إسرائيل في المرحلة التالية يوناثان – الابن الثاني لماتاثيوس – حيث كان دعاة الثقافة الهلينستية (أي اليونانية المطعَّمة بشيء من الثقافات الشرقية) قد عادوا للسيطرة على الأوضاع من جديد، لكن يوناثان كسر خصومه من السلوقيين الذين كانت الفُرقة قد دبت بينهم، وأصبح هو كاهن قومه سنة 153 ق.م..
وبعد اغتيال يوناثان استطاع أخوه سمعان قيادة قومه سنة 142 ق.م، حتى اعترف لهم ديمتريوس الثاني – ملك سوريا السلوقي – بحريتهم، وصار كاهنا وملكا في أورشليم.
وكان من المنتظر أن تكون هذه بداية لدولة يهودية قوية، ولكن التاريخ سجل لنا غير ذلك، حتى قال أحد الدارسين الغربيين: “كان الجمع بين رئاسة الكهنة والمُلك في يد شخص واحد كارثة كبرى على اليهود، فقد سُخِّرت وظائف كبير الكهنة لخدمة المآرب الدنيوية”.
وحاول بطالمة مصر في عهد عاهل أورشليم الإسكندر حنايوس (104 – 78 ق.م) السيطرة على الدولة اليهودية، لكن الهدف من الحرب لم يتحقق، ورجع البطالمة إلى حدودهم، على الرغم من الشقاق اليهودي الداخلي..
نشبت حرب أهلية في الكيان اليهودي المتهالك، ووقعت الفرقة في الدولة الضعيفة أصلا، وانقسموا فريقين متباغضين (الصدوقيين والفريسيين)، وساند الإسكندر حنايوس الصدوقيين، وارتكب مذبحة بشعة ضد الفريسيين، حتى صلب – كما تحكي الرواية – ثمانمائة منهم، ونصب موائد الطعام أمامهم، ليتناوله هو وأتباعه على مشهد من خصومهم الذين يعانون أمامهم سكرات الموت!!
كان هذا مُؤْذِنا بكارثة قريبة تحل بهذا المجتمع المريض، الذي خالف تعاليم الأنبياء، ودنس أرض القدس بأنواع شتى من المنكرات، وأراق الدماء الحرام فوق الأرض التي شهدت أياما مجيدة من جهاد الرسل، ودعوتهم الخلق إلى الله.. وتمثلت هذه الكارثة في استيلاء القائد الرومي بومبي على القدس وفلسطين..

وقد تحكمت الجغرافيا في التحركات الحربية والسياسية لبطليموس، الذي كان يطمع في أن تكون له في مصر دولة بحرية قوية، فوجد نفسه مضطرا لخوض الحرب من أجل المواني الفينيقية الرابضة على شواطئ المتوسط الشرقية، فكان يناور – أو يضطر – أحيانا إلى ترك سوريا ومدن الساحل في يد خصومه، لكنه سرعان ما كان يعاود الرجوع إليها من أجل هدفه الكبير..لقد كانت القدس قبيل سنة 318 ق.م تحت سيطرة أمير مصر اليوناني بطليموس الأول لأول مرة، وقد دخلها – كما تشير بعض الروايات – يوم السبت، الذي يقدسه اليهود، مستغلا طقوسهم وعاداتهم في الامتناع عن العمل في هذا اليوم..
ولكن قدمي بطليموس لم تستقرا في القدس وعموم الشام مرة واحدة:
 ففي عام 315 ق.م هزمته جيوش أنتيجونس – المنافس القوي على خلافة الإسكندر – حتى اضطر بطليموس إلى ترك القدس فيما تركه من أرض سوريا وفلسطين.
 وفي عام 312 ق.م كان بطليموس قد أعد العدة لاستعادة الشام، ووقعت الحرب بينه وبين جيوش أنتيجونس التي كان يقودها ابنه ديمتريوس، فانتصر بطليموس قرب غزة انتصارا ساحقا، وكان أهم حلفائه حينئذ سلوقس، الذي قدّم له بطليموس المعونة للعودة إلى عرشه في بابل بعد هذه المعركة.
 وشهد عام 311 ق.م معركة أخرى ساخنة في شمال الشام بين قوات بطليموس وبين قوات ديمتريوس الذي حقق تفوقًا واضحًا، وسيطر على سوريا، في حين اتجه أبوه أنتيجونس بقوات أخرى حتى سيطر على فلسطين..

إن كثرة الحروب في تلك الفترة، وتوالد الأحلاف بعضها ضد البعض الآخر – يجعل أحداثها متداخلة مختلطة، خاصة أن الحلفاء اليونانيين كانت تحدث بينهم شقاقات وخلافات متجددة، تؤدي إلى اندلاع الحرب بينهم. كما أن أسماء المشاركين في تلك الأحداث كانت كثيرة بشكل لافت للنظر.
لكنْ يبقى اسما “بطليموس” و”سلوقس” – فيما يخص القدس على الأقل – من أبرز الأسماء في أحداث التصارع والتنافس اليوناني، فقد أقام كل منهما – وكانا حليفين وصديقين في الأصل – دولة عُمِّرت في مكانها زمنا، فكان سلوقس في بابل وأنطاكية، وبطليموس في مصر، وهما الموطِنان المتنافسان على مدن فلسطين وسوريا منذ أقدم العصور..
 وقد أعلن بطليموس نفسه سنة 305 ق.م ملكًا على مصر، حين هدأت بعض العواصف الثائرة حول تركة الإسكندر الأكبر، وإن بقيت الأحقاد متوارية داخل النفوس، وكاشفة عن نفسها في الوقائع والحروب.ومن العجيب في هذه القضية أن يستجلب بطليموس الثاني أحبارا من “القدس” للقيام بهذه المهمة، وكان الأولى به أن يستعين باليهود القريبين منه في الإسكندرية، وكان الكثير منهم ذوي ثقافة ممتازة، كما لم تكن اللغة اليونانية قد أخذت موضعها المكين لدى سكان مدينة هامشية بالنسبة لليونانيين كالقدس، حتى يُكلَّف أهلها بهذه المهمة الثقيلة.
كما أننا لا ندري سببا لرعاية ملك وثني لترجمة هذه الأسفار، التي تأثرت كثيرًا بالأمم التي تَوَزَّع اليهود بينها.
ويسجل المؤرخون أن اليونانيين كانوا من أبرع الأمم وأحرصها على صبغ حياة الشعوب التي يغزونها بصبغة الإغريق الثقافية، وعلى الرغم من أن القدس لم تكن حينئذ في القلب من عملية “الأغرقة” هذه – إن صح التعبير – فإن أحد الدارسين يسجل أنه “لم يمض قرن على موت الإسكندر حتى تأثرت هي أيضا بإغراء الهيلينية (وهي الثقافة والحياة الإغريقية) الذي لا مهرب منه، وهو إغراء مادي من ناحية، ففي وسعك أن تتصور التجار الإغريق يغدون ويروحون في أسواق أورشليم، والفرصةَ المتاحة لكل يهودي حاذق مغامر في المراكز التجارية الهيلينية العظمى التي تنتشر الآن من حوله.. ثم إنه إغراء اجتماعي – من ناحية أخرى – ذلك أن الهيلينية كانت بسبيلها إلى أن تصبح الهواء الذي يتنفسه الناس، ولم يمض طويل زمن حتى عرضت مفاتنها الاجتماعية، بل والرياضية جهارا أمام أعين الشباب الطموح في أورشليم..”.

9.    الأثر البطلمي على القدس

بقيت القدس في يد بطليموس سوتر أو بطليموس الأول بقية حياته (توفي سنة 282 ق.م) منذ سارع بالاستيلاء عليها سنة 301 ق.م، واستمر خلفاؤه من البطالمة هناك بشكل متواصل تقريبا طوال قرن كامل من الزمان..
وكان نفي بطليموس الأول لليهود خارج القدس، ونقله الكثير منهم إلى الإسكندرية، وتغلبه على المحاولات السلوقية للسيطرة على المدينة – من أهم أعماله ذات الصلة بتاريخ القدس..
وقد بقيت الطائفة اليهودية المنفية إلى الإسكندرية من أهم الطوائف اليهودية في العالم حينئذ، وكان لهم دور كبير في فلسفة الفكر الديني اليهودي؛ ليتوافق مع التراث الفلسفي والفكري لليونان..
وبعد بطليموس الأول تولى ابنه بطليموس فيلادلفوس أو الثاني، وقد جلب – فيما يقال – اثنين وسبعين حبرًا يهوديا من القدس إلى الإسكندرية، حيث أمرهم بنقل أسفار العهد القديم إلى اليونانية، فبدءوا في أداء هذه المهمة – حسب الرواية – سنة 285 ق.م، وسُمّيت هذه الترجمة بـ “السبعينية”، وهي ترجمة يرى الباحثون أنها غير دقيقة.

 في هذه الأثناء كان العديد من القادة اليونانيين – مثل بطليموس وسلوقس – يشكلون تحالفا واحدا ضد “أنتيجونس”، الذي سيطر على مساحات واسعة من ممتلكات الإسكندر الآسيوية، وطمع في أن يكون هو العاهل الأكبر للإمبراطورية كلها. وفي سنة 301 ق.م سحق المتحالفون جيوش “أنتيجونس” عند سهل إسُّوس (طرسوس)، وقتلوه هو نفسه، ولكن بطليموس لم يشارك في هذه المعركة، وبالتالي رأى حلفاؤه أنه لا حق له في السيطرة على سوريا التي وعدوه بها، وقرروا منحها لسلوقس.
 اعترض بطليموس على هذا القرار، وسارع بالسيطرة على سوريا وفلسطين ومدن الشاطئ المتوسطي سنة 301 ق.م، ومن هنا امتد الصراع على القدس وعموم الإقليم السوري بين الأسرتين زمنا طويلا، وكان هذا جزءًا من تاريخ القدس، بقيت المدينة خلاله تابعة لبطالمة مصر قرنا من الزمان..
وظلت الثقافة الإغريقية تقدم إغراءاتها لشعوب المنطقة، ولاحظ الدارسون تأثير ذلك بقوة على حياة اليهود، فقال أحدهم: “لا شك أنه كانت هناك معارضة للأساليب الهلينية، ولكن الأسر النبيلة الغنية – بل وأوساط الكهنة أيضا – تغلغلت فيها المطامع الدنيوية، وأصبحت لا تكترث بالمعايير القديمة التي فرضتها اليهودية المدققة”.
والأثر البطلمي على عموم فلسطين سجلته مجموعة برديات اكتشفها الأثريون، وسميت “برديات زينون”، فقد أثبتت أن فلسطين كانت تمد مصر بزيت الزيتون والخيول العربية والأغنام والرقيق والفضة، وأوردت البرديات أسماء مدن فلسطينية اتخذت أسماء بيزنطية..
وفي العهد البطلمي لم تكن القدس هي أهم مدن فلسطين، بل شغلت هذه المكانةَ مدينةُ عكا الساحلية، والتي سُميت حينئذ “بطلمية”.
وأما القدس، فكان فيها وفيما حولها تجمع يهودي موالٍ تمامًا للبطالمة، ويدفع زعماؤه لهم الجزية. وظهرت بين اليهود موجة من التحرر من الدين بتأثير الفترة البطلمية. وقد حاول بطليموس الرابع توحيد الأديان مع اليهود، فجعل الرب الإغريقي ديونيسوس هو الجامع بين يهوه (الإله الخاص باليهود) وسرابيس (معبود الإغريق). وعلى الرغم من شناعة ذلك استجاب المتحررون الجدد من اليهود لبطليموس.
لكن هذا الولاء اليهودي تلاشى مع تزايد فرض الضرائب عليهم من قِبَل البطالمة، فعاونوا أنطيوخوس الثالث في لقائه الحاسم ضد البطالمة سنة 200 ق.م، والذي دخلت بعده القدس تحت سلطان السلوقيين.

10.                      الصراع البطلمي السلوقي على القدسوهذا يشير إلى أن مدينة داخلية، ليست ذات موارد تُطمِع أحدا فيها (كالقدس) – لم تكن في هذا الزمن هي موضع التنافس والخلاف، بل دفع إلى كل هذه الحروب التنافسُ على المدن والشواطئ الغنية وذات الموقع التجاري المؤثر..

وقد عقد أنطيوخوس الأول وبطليموس الثاني هدنة سنة 272 – 271 ق.م، انسحب السلوقيون على أثرها من الشام كله، وبقي في يد البطالمة.
وبعد حوالي عشرين عاما تجددت الحرب بين البطالمة والسلوقيين (في عهد بطليموس الثاني وأنطيوخوس الثاني)، وانتهى الأمر سنة 252 ق.م بهدنة أخرى أبقت القدس وغيرها من أنحاء سوريا الكبرى في يد بطليموس الثاني.
وفي عام 200 ق.م حقق السلوقيون نصرا حاسما على خصومهم البطالمة في معركة بانيون (بالقرب من نهر الأردن) أثناء وقائع الحرب السورية الخامسة، فخرجت القدس وفلسطين – على أثر ذلك – من يد البطالمة تماما، وإلى الأبد، على الرغم من محاولات بطليموس السادس والتاسع استعادتها..

اعترافًا بفضله في إعانته على استعادة عرشه، لم يشأ سلوقس الأول أن يحارب بطليموس الأول حين سيطر على الإقليم السوري (والقدس جزء من قطاعه الجنوبي) عقب معركة إسوس سنة 301 ق.م، لكن العداوة بين الأسرتين ظلت تُتَوارَث وتنتقل من جيل إلى جيل، حتى وقعت سلسلة حروب طويلة في الصراع على هذا الإقليم
حافظ بطليموس فيلادلفوس تسمَّى “الحروب السورية”. (الثاني) على سياسة أبيه في استمرار التمسك بفلسطين وسوريا؛ فوقعت الحرب السورية الأولى بينه وبين ملك بابل السلوقي أنطيخوس الأول من سنة 276 – 272 ق.م. ويبدو أن جماعات البدو في فلسطين وسوريا آزرت السلوقيين على البطالمة في هذه الحلقة من الصراع؛ فأحد النقوش الهيروغليفية بمتحف اللوفر يشير إلى أن بطليموس فرض الجزية على مدن آسيا، وطارد بدوها وفتك بهم. في حين يشير نقش بابلي بالكتابة المسمارية إلى أن الجيش البابلي (أي السلوقي القادم من بابل) دحر الجيش البطلمي في الشام. والمؤرخون يؤكدون أن هذا يشير إلى استيلاء السلوقيين على دمشق، ويؤكدون أيضا أن البطالمة ظلوا يتحكمون في الشاطئ الفينيقي ومدنه البحرية العظيمة (صيدا وصور على وجه الخصوص)، وكانت هذه المدن هي أهم ما يعنيهم..
ومن أهم ملوك السلوقيين الذين كانت لهم أعمال مهمة تتصل بالقدس:
 أنطيوخوس الثالث: انتصر على البطالمة، وحقق حُلم أجداده في ضم الإقليم السوري كله إلى مملكته، وزار بيت المقدس سنة 177 ق.م فاستقبله يهودها المتحررون بالترحاب، وطلبوا منه أن يقيم لهم جمنازيوم إغريقيا ودارا للشبيبة، “وأن يدمج بعض الضواحي في أورشليم لتصبح بمثابة أنطاكية جديدة لما حولها”، وقد استجاب لكل ذلك، كما حسم الصراع الداخلي بين اليهود على منصب الحبر الأعظم، واختار له شخصا مواليا له.
 أنطيوخوس الرابع: (أبيفانس) كان حاكما متعصّبا للثقافة الإغريقية، حاول فرضها على الناس بالقوة، وكان يرى في متعصبي اليهود قوة مناهضة لمشروعاته تعطل فرض هذه الثقافة، فعمد – فيما تذكر الروايات – إلى تحويل بيت عبادتهم إلى بيت للأوثان، وتحريم بعض عاداتهم وشرائعهم، واضطهدهم بشدة. وسعى أبيفانس إلى إجراء آخر خطير، وهو تغيير اسم المدينة من “أورشليم” إلى “مدينة زيوس الأولمبي”، ولكنه فشل فيما نجح فيه الرومان من بعد حين أطلقوا على القدس اسم “إيلياء”.
وقد أدت الإجراءات القاسية من بعض ملوك السلوقيين إلى ثورة يهودية اشتهرت في التاريخ باسم “الثورة المكابية”، أنهت سيطرة اليونان على القدس، ومهّدت الطريق أمام الرومان الذين قضوا في المنطقة زمنا طويلا.

11.                      الثورة المَكابيةوقاد بني إسرائيل في المرحلة التالية يوناثان – الابن الثاني لماتاثيوس – حيث كان دعاة الثقافة الهلينستية (أي اليونانية المطعَّمة بشيء من الثقافات الشرقية) قد عادوا للسيطرة على الأوضاع من جديد، لكن يوناثان كسر خصومه من السلوقيين الذين كانت الفُرقة قد دبت بينهم، وأصبح هو كاهن قومه سنة 153 ق.م..

وبعد اغتيال يوناثان استطاع أخوه سمعان قيادة قومه سنة 142 ق.م، حتى اعترف لهم ديمتريوس الثاني – ملك سوريا السلوقي – بحريتهم، وصار كاهنا وملكا في أورشليم.
وكان من المنتظر أن تكون هذه بداية لدولة يهودية قوية، ولكن التاريخ سجل لنا غير ذلك، حتى قال أحد الدارسين الغربيين: “كان الجمع بين رئاسة الكهنة والمُلك في يد شخص واحد كارثة كبرى على اليهود، فقد سُخِّرت وظائف كبير الكهنة لخدمة المآرب الدنيوية”.
وحاول بطالمة مصر في عهد عاهل أورشليم الإسكندر حنايوس (104 – 78 ق.م) السيطرة على الدولة اليهودية، لكن الهدف من الحرب لم يتحقق، ورجع البطالمة إلى حدودهم، على الرغم من الشقاق اليهودي الداخلي..

بدأت هذه الثورة ضد السيطرة اليونانية السلوقية سنة 167 ق.م، وقادتْها أسرة تسمى “الحشمونية”، قيل إن زعيمها كان كاهنا طاعنا في السن يسمى “ماتاثيوس”، ويُعينه خمسة أولاد له، منهم يهوذا الذي لُقِّب بـ “مكابيوس” (أي المطرقة)، وقد قاد قومه سنة 165 ق.م إلى انتصارات مفاجئة على حكام سوريا السلوقيين، حتى دخل بهم القدس، وطهر بيت العبادة من وثنية اليونان..
وفي العام التالي حاقت الهزيمة بالثوار، لكنهم نالوا حريتهم الدينية، وتُرك لهم الإشراف على بيت عبادتهم في القدس، وإقامة شعائر دينهم بحرية.
وحين اندلع القتال من جديد كانت اللقاءات ساخنة، حتى قُتل زعيم اليهود، برغم الانتصار الذي  حققه أتباعه، في معركة عَدَسا سنة 161 ق.م، حيث كان اليهود قد طلبوا المعونة من الرومان.
نشبت حرب أهلية في الكيان اليهودي المتهالك، ووقعت الفرقة في الدولة الضعيفة أصلا، وانقسموا فريقين متباغضين (الصدوقيين والفريسيين)، وساند الإسكندر حنايوس الصدوقيين، وارتكب مذبحة بشعة ضد الفريسيين، حتى صلب – كما تحكي الرواية – ثمانمائة منهم، ونصب موائد الطعام أمامهم، ليتناوله هو وأتباعه على مشهد من خصومهم الذين يعانون أمامهم سكرات الموت!!
كان هذا مُؤْذِنا بكارثة قريبة تحل بهذا المجتمع المريض، الذي خالف تعاليم الأنبياء، ودنس أرض القدس بأنواع شتى من المنكرات، وأراق الدماء الحرام فوق الأرض التي شهدت أياما مجيدة من جهاد الرسل، ودعوتهم الخلق إلى الله.. وتمثلت هذه الكارثة في استيلاء القائد الرومي بومبي على القدس وفلسطين..


– بداية العهد الروماني للقدس
– نبي الله زكريا في القدس
– فلسطين عند احتلال الروم لها
– القدس تحت حكم أنتي باتر الأدومي
– القدس تحت حكم هيرود الكبير
– أعمال هيرود العمرانية في فلسطين
– مولد المسيح عليه السلام
– القدس في القرون الأولى للميلاد

– القدس تحت حكم هيرود أغريبا
– التدمير الروماني للقدس
– هادريانوس يبني إيلياء (القدس)
– القدس والتحول الروماني إلى المسيحية
– القدس في حيازة الفرس الساسانيين
– البيزنطيون يستعيدون القدس

بداية العهد الروماني للقدس

المرحلة الرومانية في تاريخ القدس (63 ق.م – 637م) أهم في تأثيرها على المدينة من المراحل العبرية والكلدانية (البابلية) والفارسية، فقد صارت القدس مع الرومان – حتى في اسمها – شيئا آخر غير ما كانت عليه في أيام هذه الدول، بل إن فلسطين نفسها اكتسبت اسمها التاريخي من خلال الرومان، الذين نسبوها إلى “البالستين” – الشعب الأوروبي الكريتي المهاجر إلى أرض كنعان.
والقائد الذي بدأ معه التاريخ الروماني للقدس هو “بومبي”، وهو – كان خلال القرن الأول قبل الميلاد – أحد الثلاثة الكبار المتنافسين على السلطة في روما (كراسوس وبومبي ويوليوس قيصر)، وكان قد حقق لروما إنجازات مهمة؛ فشارك في القضاء على ثورة العبيد بقيادة سبارتكوس (73 – 71 ق.م)، كما طهر مياه شرق البحر المتوسط من القراصنة سنة 67 ق.م، كذلك سيطر على أرمينيا سنة 65 ق.م، وضمن ولاءها له ولشعب روما..
ثم نقل بومبي نشاطه الحربي إلى سوريا وفلسطين، فأعاد ملِكَ سوريا السلوقيَّ أنطيوخوس الثالث عشر إلى عرشه، كملك موالٍ لروما، ولكن أنطيوخوس لم يستطع ضبط أمور سوريا، فأزاحه بومبي عن الحكم، وضم سوريا وفينيقيا إلى روما كولاية واحدة (ولاية سوريا = Provincia Syria)..
وكان من الطبيعي أن تكون فلسطين هي المرحلة التالية في هذه الرحلة الحربية لبومبي، وكانت الظروف القائمة مهيَّأَة لذلك تماما؛ وذلك لأن الخصومات الداخلية بين هركانوس الثاني بن حنايوس – ملك أورشليم – وبين أخيه أرستوبولس قد اشتدت، وطال الصراع الدامي بينهما، وطلب كلاهما العون من الرومان، وفضل بومبي مساندة هركانوس؛ لأن أخاه كان متعاطفا مع البارثيين (في خراسان) أعداء روما.
زحف الرومان بقيادة بومبي على فلسطين سنة 63 ق.م، وحاصروا القدس، لكن المدينة التي استعصت على الآشوريين من قبل لم تكن فريسة سهلة، فقد اشتهرت طوال تاريخها بمناعة أسوارها، وقوة دفاعاتها، ومعاونة موقعها وظروفها الطبيعية لمن فيها على الدفاع عنها.. ومع أنه كان متوقعا بقوة أن تسقط القدس بصورة طبيعية في يد بومبي، لو اتبع في حصارها سياسة النَفَس الطويل، إلا أن الخيانة عجّلت بالقضية، فاقتحمها الرومان بخيانة داخلية من بعض اليهود..
ودنس بومبي بيت العبادة في أورشليم، وأفقد اليهود استقلالهم؛ إذ ترك هركانوس كاهنا فقط على قومه، يرعى شئونهم الدينية، وبقيت حامية رومانية في المدينة تضمن بقاءها تابعة لروما.
وبهذا يبدأ التاريخ الروماني للقدس وفلسطين، والذي استمر زمنا طويلا، ومنح القدس سمتا جديدا، بقي مسيطِرًا إلى أن فتح المسلمون المنطقة، حيث التأم لأول مرة في التاريخ شمل عرب القدس القدماء – بعد اختلاطهم الكبير بالشعوب الغازية والنازحة – مع إخوانهم من عرب الجزيرة الذين حملوا إليهم مشعل الهداية الربانية.
حين كانت مريم بنت عمران ( عليها السلام ) صبيةً صغيرة في كفالة نبي الله زكريا ( عليه السلام ) رأى بعينيه كيف يأتي رزق الله إلى خلقه، ويتنزل فضله على عباده، بدون هذه الأسباب التي اعتادها الناس، فكان كلما دخل على مريم محراب العبادة: يتفقد أحوالها، وينظر في شئونها، وجد رزق الله عندها وفيرا، فيسألها عن مصدر ذلك، لعل إنسانا خيّرا مر بها فأعطاها إياه، ولكن مريم أخبرته بأنه رزق مباشر أتاها من الله: (..كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (سورة آل عمران: 37)..
هنالك رغب زكريا ( عليه السلام ) في رزق الله وفضله، وكان قد طعن في السن، ويئس من مجيء الولد. وسجل القرآن على لسانه علامات الكبر والشيخوخة التي لحقته فقال الله – تعالى – عنه: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِياًّ) (سورة مريم: 4)، ولا شك أن وهن العظام واشتعال الرأس بالشيب يشيران إلى سن عالية لصاحبهما، ولعل هذا ما دفع ابن كثير إلى القول: ” قيل: كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة، والأشبه – والله أعلم – أنه كان أسن من ذلك”.
ومع ذلك فلو رضينا بأن سن زكريا ( عليه السلام ) كانت (حين دعا ربه بأن يرزقه الولد) سبعا وسبعين سنة، وأضفنا عدة سنوات أخرى كانت باقية على ميلاد عيسى ( عليه السلام ) فسنجد أن النبي الكريم زكريا وُلد قبل الميلاد ببضع وثمانين سنة، ومعنى ذلك هو أنه عاصر فترة انزواء مُلك بني إسرائيل، وذهاب استقلالهم، وسيطرة الرومان على القدس، فقد كان ابن بضعة عشر عاما حين دخل القائد الروماني بومبي بيت المقدس سنة 63 ق.م، ودنس بيت عبادة بني إسرائيل..
لقد صار بنو إسرائيل في القرن الأول قبل الميلاد جُزُرا متقاطعة، وأصبحت قلة قليلة منهم تسير على هَدْي التوراة الصحيحة التي نزلت على موسى ( عليه السلام ) والتي لا شك أن نسخا صحيحة منها كانت متوافرة حينئذ، لكن لم يكن ثمة اتفاق عليها بين طوائف العبرانيين – فيما يبدو.
وفي دعاء زكريا وسؤاله الولد يقول مناجيا الله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِياًّ (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِياًّ) (سورة مريم: 5 – 6)، وهذا يفيد أن الفساد في زمنه قد عم في بني إسرائيل، حتى لم يجد زكريا ( عليه السلام ) فيهم أحدا يصلح لخلافته في قومه؛ يرشدهم ويدلهم، ويقوم فيهم مقام الأنبياء.
لقد كانت فترة تمزُّق جماعي، وفساد فردي واجتماعي، انقسم فيها مجتمع بني إسرائيل، ورفضوا الانصياع للتعاليم التي جاء بها الأنبياء، واستنجدت الطوائف اليهودية المتناحرة في القدس ويهودا بالعدو الروماني المتربص من قريب.
ولا ندري شيئا عن موقف سيدنا زكريا ونصائحه لقومه حين اختلفوا، لكنه بالتأكيد توجه إليهم – كنبي لا يرضى بالمنكر – ناصحا وموجِّها، ولعله ذكرهم بمصير آبائهم الذين عصوا الله فمسخهم قردة وخنازير، ودعاهم إلى الاعتبار بمن سبق من أسلافهم، والانتفاع بسيرتهم.. وربما كان تواضع حرفة نبي الله زكريا التي يكسب منها قوته (جاء في الحديث الصحيح: “كان زكريا نجارا” – رواه مسلم) سببا من أسباب صد بني إسرائيل عنه، فقد قالوا عن طالوت من قبل – في أيامٍ أفضلَ لهم من أيام زكريا: (.. قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ ..) (سورة البقرة: 247).
لم يستطع زكريا ولا ابنه يحيى ( عليهما السلام ) صد طغيان بني إسرائيل، وبالتالي لم يستطيعا رد حكم السنن والنواميس الإلهية عنهم، فكانت هذه مرحلة انسلاخهم من الدين السماوي الذي أنزله الله، وتمت واكتملت مع بعثة المسيح عيسى ( عليه السلام )..
وهذه المرحلة نفسها هي مرحلة الانطفاء التام بالنسبة لبني إسرائيل، والتحول بالنبوة عنهم، فقد كان زكريا ويحيى وعيسى ( عليهم السلام ) آخر ثلاثة أنبياء في بني إسرائيل، وتعرضوا جميعا لمحاولات يهودية للقتل، أما عيسى فقد نجاه الله، وأما زكريا فيُروى أنهم نشروه في شجرة فمات، وأما يحيى فالمشهور أنه قُتل مهرًا لبغي.. يقول ابن كثير: “اختُلف في مقتل يحيى بن زكريا: هل كان في المسجد الأقصى أم بغيره؟ – على قولين: فقال الثوري عن الأعمش عن شمر بن عطية قال: قُتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبيا؛ منهم يحيى بن زكريا – عليه السلام”.
ورث الرومان جيرانهم الإغريق، وظلت جيوش روما تزحف على ممتلكاتهم، حتى انتزعتها جميعا من أيديهم؛ سواء أكانت هذه الممتلكات في أوروبا أم إفريقيا أم آسيا. لكن الحضارة المنتصرة كانت فقيرة في ثقافتها وفكرها، فانصاعت للمغلوب في هذه الناحية، وهُزمت أمام ثقافته الثرية، وكان هذا مثالا عجيبا وقليل الحدوث لانتصار المغلوب على من غلبه، بدون سيف أو مدفع!!
وهذا يعني بالنسبة لفلسطين وأشباهها من البلاد التي دخلت تحت حكم الرومان وسلطانهم، أن الحكم الجديد سيكون – من الناحية الثقافية على الأقل – مواصَلة للمرحلة اليونانية بشقيها البطلمي والسلوقي، بل ربما قلنا: إن فلسطين وسوريا ومصر وغيرها من مناطق النفوذ اليوناني السابق هي الميادين التي هُزم فيها الرومان ثقافيا، وتلوّنوا بلون الفكر والثقافة اليونانية.
حين دخل الرومان فلسطين وجدوا حالة حضارية نادرة؛ لم تشهدها المنطقة من قبل، فقد جرى خلال قرنين ونصف القرن من الزمان تلاقح حضاري كامل بين سكان فلسطين وبين الغزاة اليونانيين، فنشأ شعب اختلطت فيه دماء الكنعانيين والآموريين (= شعب سامي عاش منذ الألف الثاني قبل الميلاد في سوريا وشمال العراق) واليونانيين، وتمازجت ثقافة الغزاة بثقافات أهل البلاد، فنشأت ثقافة جديدة لا هي يونانية خالصة (هللينية) ولا هي شرقية خالصة، بل هي مزيج منهما (هللينستية)، وتداخلت الأديان، حتى بُنيت معابد تجمع آلهة اليونان مع آلهة الكنعانيين، بل تجمع يهوه إله اليهود مع آلهة اليونان في داخل القدس نفسها..
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أيهما ابتلع الآخر: الكنعانيون والفينيقيون – أهل البلاد الأصليون – أم اليومن أفضل ما يصوّر التأثير الإغريقي العميق في فلسطين وسوريا قول أحد الدارسين: “لقد كانت عملية أغرقة الشام عملية ثقافية وعمرانية بحتة؛ أي مادية روحية، فقد استوعب سكان الشام الآراميون اللغة الإغريقية العامة kion ، وكذلك طريقةَ الحياة والسلوك والمعيشة الإغريقية، والتي انتشرت خاصة بين الفئات الأرستقراطية من الشرقيين، والذين تلقوا تعليمًا رفيعًا على يد أساتذة إغريق أو متأغرقين. ولم يكن انتشار الحضارة الإغريقية وقفًا على مناطق المدن ومراكز الحضارة والعمران، التي أسسها المستوطنون المقدونيون والإغريق، بل وصلت إلى المدن الآرامية والفينيقية والكنعانية. حتى بيت المقدس – أورشليم تسللت إليه الحضارة الإغريقية، فقد أصبح لكل مدينة في الشام دار للتريبة؛ أي جمانزيوم Gymnasion ، وهذه كانت مراكز للنشاط الثقافي والحضاري الإغريقي..
ونانيون – الغزاة؟
وللإجابة عن هذا السؤال الخطير لابد أن نذكر أولا أن الغزاة لم يُقبلوا بالعدد الذي يسمح لهم بابتلاع سكان فلسطين عرقيا، لكنهم جاءوا حكاما غالبين وفي أيديهم ثقافة أقوى مما في يد أهل فلسطين، لذلك نستطيع أن نقول: إن الشعوب السامية قد ابتلعت عامة الغزاة عرقيًا، ولوّنت الحكام القادمين بلونها، لكن الثقافة الغازية انتصرت بشكل ساحق، وإن خالطتها أمشاج من ثقافات الشرق، منحتها مذاقًا آخر جديدًا.
لقد خالف اليونان سُنَّة من سبقهم من الكلدان (البابليين) والآشوريين والفرس، حيث بدا هؤلاء دائمًا كطبقة غريبة ومميزة عن أهل البلاد التي يحتلونها، لكن اليونانيين منذ الإسكندر ركزوا على الاختلاط بهذه الشعوب ومصاهرتها؛ لينفتح الطريق أمامهم ثقافيًا وسياسيًا.
“وأمام هذا الاكتساح الجارف للحضارة الإغريقية تراجعت الحضارات السامية، سواء أكانت كنعانية أم آرامية أم عبرية؛ لتحتمي في معاقل لها في المناطق الريفية النائية، أو في مناطق المرتفعات الجبلية، وظلت في هذه المعاقل تدافع عن بقائها حتى بعد الفتح العربي.. ولم تلبث الحضارات الآرامية والكنعانية أن بدأت تتسلل لتمتزج بالحضارة الإغريقية، وساعد على ذلك اتجاه الإغريق إلى الزواج من آراميات وكنعانيات، فقد كان أغلب الجنود والمستوطنين بلا زوجات، ونادرا ما كانوا يجلبون زوجات من مقدونيا أو بلاد اليونان.. ونتيجة لذلك ظهر جيل من الآراميين المتأغرقين، أو الإغريق الآراميين، والكنعانيين الذين يجمعون بين الحضارتين لغة وعقيدة، ويتوجهون بالعبادة للآلهة الآرامية والكنعانية والفينيقية، بعد أن أضفوا عليها الصفات الإغريقية، مثل الأسماء والمظهر، وأطلقوا عليها أسماء إغريقية مثل زيوس الأولمبي..” ا.هـ.
كانت القدس حديثة عهد بالغزو الرومي لها حين تحولت الدولة الرومانية من جمهورية يحكمها السناتو Snato (مجلس الشيوخ) إلى إمبراطورية يمسك بمقاليدها شخص واحد، هو الإمبراطور (سنة 30 ق.م). ويُعَد هذا واحدا من الأحداث الكبرى في تاريخ الدولة الرومانية، مثله مثل انقسام هذه الدولة إلى اثنتين (شرقية وغربية) بعد بضعة قرون.
دخلت قوات بومبي القدس سنة 63 ق.م، وأُلغيت الجمهورية في الدولة الرومانية سنة 30 ق.م، فكان بين الحادثين ثلث قرن، جرت فيه أحداث ضخمة؛ سواءٌ فيما يتعلق بالدولة الرومانية عامة، أم بالقدس وفلسطين خاصة..
انفرد يوليوس قيصر بحكم الدولة الرومانية – يؤيده السناتو – بعد مقتل منافسه القوي بومبي – أول فاتح روماني للقدس – سنة 48 ق.م، وانتهاء الحرب الأهلية الرومانية سنة 46 ق.م.. وفي أثناء هذه الأحداث شن قيصر حملة على مصر، لقي فيها معونة من أنتيباتر الأدومي – معاون هركانوس ملك القدس السابق وكاهنها بعد اقتحام قوات بومبي لها – وكان أنتيباتر قد أشرفَ من قبل على إحدى الفرق العسكرية التي تحقق على يدها انتصار الرومان على المكابيين حكام القدس.. فكافأه قيصر على معونته له بجباية فلسطين كلها، بما فيها القدس، كما كسب أنتيباتر لليهود بعض الامتيازات من الرومان، لكن اليهود – على الرغم من ذلك – لم يكونوا يستريحون إلى هذه الشخصية الماكرة..
واليهود لا يعدون الأدوميين منهم، بل هم – عندهم – من نسل عيسو أخي يعقوب ( عليه السلام ) وليسوا إسرائيليين، وإن أُخضعوا بالقوة منذ سنة 125 ق.م لاتّباع مذهب اليهود. وقد حكم فلسطين أنتيباتر الأدوميُّ ومن بعده ابنُه هيرود الكبير، وظل اليهود ينظرون إليهما نظرة ريبة وعدم اطمئنان، على الرغم من كل ما قدّماه لليهود من أعمال وخدمات، مع تظاهرهما باتباع اليهودية.
كانت فترة حكم أنتيباتر لفلسطين والقدس فترة انتقالية، ولَّى فيها ابنَه الأكبر فاسيلّ نائبا له على القدس، وابنَه الآخر هيرود على الجليل، يدرّبهما على أمور الحكم، وكانت هذه الأسرة كاملة الإخلاص والولاء للروم، مع إظهارهم اعتناق اليهودية.
وفي أثناء ولاية أنتيباتر على فلسطين قُتل يوليوس قيصر (سنة 44 ق.م)، ولقي أنتيباتر نفس المصير في العام التالي، ليخلفه ابنه الثاني هيرود، الذي يُعَد واحدا من أهم حكام القدس القدماء وأوسعهم شهرة.
مات أنتيباتر والد هيرود قتيلا سنة 34 ق.م، وهذا – بالتأكيد – يعني أن قياد فلسطين لن يسلس لهيرود – خليفته وابنه الثاني الذي كان نائبا له على الجليل – وبالفعل تذكر المرويات اليهودية أن البقية الباقية من البيت المكابي تعاونت مع طائفة الفريسيين تحت قيادة أنتيجونس المكابي لطرد الرومان وأعوانهم من القدس، ونجحوا في طردهم من جنوب فلسطين (مملكة يهودا السابقة)، واستقلوا بدولتهم من جديد، وكانت هذه آخر مرة تستقل فيها دولة يهودية في القدس حتى القرن العشرين الميلادي..
تحرك هيرود بجيش يضم جنودا من الرومان والأدوميين والسوريين، تحت إشراف من مارك أنطونيو في روما. وتقدم الجيش نحو القدس حتى ضرب عليها الحصار، ولم يقدم هيرود على هدم أسوار المدينة، وأعانه حاكم سوريا من قبل الرومان “سوسيس”..
وناضل أنتيجونس المكابي ومن معه عن القدس، لكن الحصار استمر، ووقع القتال في الأطراف، حتى اقتحم هيرود المدينة، وجرى القتال في شوارعها وداخل مكان العبادة اليهودي الذي هدّمه القتال، وانتهت المقاومة تماما، وانفرد هيرود بالحكم سنة 37 ق.م.
بانتهاء الحرب ثُبِّت هيرود في موضع أبيه كملِك على فلسطين مفوَّض من قِبل الرومان، وبقي في منصبه ثلاثة وثلاثين عاما (37 ق.م – 4م)، وُلد في أواخرها النبي الكريم – عيسى ابن مريم ( عليه السلام ) وأظهر الوالي الأدومي في فترة حكمه دموية وجبروتا كبيرين، وتناقضا غير قليل في شخصيته بسبب محاولته الموازنة بين علاقته بالرومان وعلاقته باليهود معا.
كان هيرود يظهر أنه يهودي، وفي نفس الوقت ينشر بحماسة ثقافة الرومان في فلسطين، ويقيم معابد وثنية في القدس ومدن فلسطين؛ تقربا إلى سادته من الرومان. ويُنسب إليه إقامة الهيكل اليهودي آخر مرة.
وفي العصر الحديث كتب الصحفي اليهودي “آحاد هاعام” (سنة 1897) يشبِّه حكم الأدوميين بالدولة التي أزمعت الحركة الصهيونية المعاصرة إقامتها في فلسطين، فقال: “يحدثنا التاريخ أنه في أيام بيت هيرود كانت فلسطين دولة يهودية، لكن الثقافة القومية كانت موضع احتقار واضطهاد، وقد بذل البيت الحاكم قصارى جهده لبذر الثقافة الرومانية في البلد، وبعثروا موارد الأمة في بناء معابد الوثنية والمدرجات وما إلى ذلك. إن مثل هذه الدولة اليهودية سوف تنشر الموت والمهانة لشعبنا. إن مثل هذه الدولة لن تحقق القدر الكافي من السلطة السياسية التي تؤهلها للاحترام، بينما ستبتعد عن القوة الروحية الداخلية للعقيدة اليهودية. إن هذه الدولة المسخ ستتأرجح كالكرة بين جيرانها الأقوياء، وستحافظ على وجودها فقط عن طريق التحايل الدبلوماسي وعن طريق التزلف للدول الكبرى”.

أعمال هيرود العمرانية في فلسطين

إلى جانب شهرته بالدموية والجبروت – حتى قتل زوجته وابنيه – عُرف هيرود الكبير بكثرة ما شيده في فلسطين من المعابد والملاعب والمدن، وأشهر ذلك على الإطلاق ما قيل عن بدئه في بناء الهيكل سنة 20 ق. م لآخر مرة في التاريخ.. واليهود يزعمون أن حائط البراق (يسمَّى عندهم حائط المبكى أو جدار المناحة) هو من بقايا الهيكل السليماني الذي أقامه هيرود مكان المسجد الأقصى، ويجادلون في ذلك أشد الجدل، حتى صار هيرود هذا – برغم ما فعله في التعاليم والثقافة اليهودية وأتباعهما – شخصا يميل إليه اليهود المعاصرون بعاطفتهم..
ولكن التاريخ وعلم الآثار ينفيان صحة الزعم اليهودي تماما، فكل المرويات الإسلامية تؤكد أن مكان الحرم عند الفتح العمري للقدس كان خاليا من البناء، وقد حوَّله الرومان إلى “مزبلة” مهجورة. وقد سجل المؤرخون المسلمون ذلك في وقت لم يكن ينافسهم فيه أحد على امتلاك القدس، فلم يكونوا بحاجة إلى سَوق الأدلة والحجج على حقهم فيها. وأيضا ليس من العقل أن يظل هذا الجدار قائما وحده قرابة ستة قرون رومانية، دون أن يفكر أحد في هدمه، وقد كان هناك من حوافز العداوة بين اليهود والرومان ما يكفي لهدمه مرارا وتكرارا..
ومواصفات الحائط تؤكد أنه يصعب أن يظل قائما وحده طوال هذا الزمن، كما أنه يبدو جزءا من كل، لا نشازا يخالف ما حوله، فهذا الجدار (في الجنوب الغربي من سور الحرم القدسي الشريف) طوله 48 مترًا وارتفاعه 17 مترًا.. وإلى جانبه رصيف عرضه 3.35 أمتار، تسامح المسلمون مع اليهود فتركوهم يَبكون وينتحبون عنده؛ فأسموه حائط المبكى، وادعوا أنه بقايا بناء هيرود للهيكل. وقد أيدت لجنة عالمية شُكلت أيام الانتداب البريطاني سنة 1930م أنه من أملاك المسلمين.
كان هيرود مولعًا بأعمال البناء والتشييد على النمط الإغريقي، فجدد سور القدس، وبنى فيه أبراجا، ووسع المدينة حتى بلغت 140 أكرًا (الأكر مقياس للمساحة أقل من الفدان، ويساوي 4000م2 تقريبا)، وأقام في فلسطين مدنا كقيصرية، وشيّد الكثير من المعابد لآلهة اليونان والرومان، فعزَّز ما سعى إليه البطالمة والسلوقيون قبلَه من صبغ البلاد التي يحتلونها بصبغتهم.

مولد المسيح عليه السلام

أثناء حكم هيرود الكبير وُلد خاتمة أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم ( عليه السلام ) وقد وقع الغربيون في خطأ تاريخي كبير عند تحديدهم سنةَ ولادته، واضطر العالَم بعد ذلك إلى التسليم له، ففي سنة 532م دعا الراهب دينوسيس الصغير إلى التأريخ بميلاد المسيح ( عليه السلام ) وقدَّر الحساب بدون تدقيق، فأخطأ في بضع سنوات (يذهب البعض إلى أنها سبع والبعض الآخر إلى أنها أربع سنوات)، وحين أدرك الناسُ هذا الخطأ تعذّر عليهم التصحيح، فتركوه كما هو.
وُلد عيسى ( عليه السلام ) بصورة غير معتادة في ولادة البشر؛ ليكون آية للناس على قدرة الله، ورحمةً للبشر بمنهجه الذي أُرسل به. وجاءت ولادته في بيت لحم الواقعة إلى الجنوب من مدينة القدس بمسافة 10 كم، وتتبع لواء القدس، وترتفع عن سطح البحر 777 مترًا، وتحيط بها تلالٌ تَكْسُوها أشجار الزيتون واللوز والكروم. وكانت في القديم قرية تكتنفها الأودية العميقة من الشرق والغرب والجنوب.
وقد ذكر القرآن قصة ولادة عيسى ( عليه السلام ) بتفصيل تام؛ لما حدث حولها من خلاف أدى إلى نشوء عقائد ومذاهب جديدة مازال يعتنقها الملايين من البشر، وكأن هذه هي شهادة القرآن حول حادث ضل فيه كثيرون؛ لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد البيان..
يقول الله تعالى في سورة مريم: { وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً (16) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِياًّ (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِياًّ (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِياًّ (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِياًّ (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِياًّ (21) فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِياًّ (22) فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِياًّ (23) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِياًّ (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِياًّ (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنسِياًّ (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِياًّ (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا  كَانَتْ أُمُّكِ بَغِياًّ (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِياًّ (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِياًّ (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياًّ } (سورة مريم: 16 – 31).
هذا، وللمسيح ( عليه السلام ) صلة عميقة ببيت المقدس، فهنالك عاش، ودعا الناس إلى التوحيد، وهناك أبان لهم أنه عبد الله ورسوله.. وقد حاولت بيزنطة المسيحية تتبُّع الأماكن التي اعتقدوا أن للمسيح فيها ذكريات لتخليدها، وجاء ذلك بعد ثلاثة قرون كاملة من المسيح، فكان لابد من الوقوع في أخطاء فادحة.. يقول كُتّاب “قاموس الكتاب المقدس”: “توجد في أورشليم أماكن كثيرة يربطها التقليد بحوادث في حياة يسوع المسيح، ولكن لا يمكن التثبت إلا من القليل منها على وجه التحقيق.. ويقول التقليد إن كنيسة القيامة مقامة فوق مكان الصلب ومكان قبر يسوع المسيح، ولكن يظن بعض العلماء أن موضع هذين المكانين غير معروف، ويقول بعض العلماء: إن موضعهما يقع إلى الشمال من الأسوار الحالية”.

القدس في القرون الأولى للميلاد

كان المجتمع اليهودي في تعامله مع الرومان منقسمًا على نفسه، بين ممالئ لهم متعاون معهم، وبين كاره لسلطانهم ووثنيتهم، يحافظ على بقايا من دعوات الأنبياء. وحين أظهر المسيح ( عليه السلام ) دعوته ازداد الحاسدون المنافقون الذين يتعاونون مع الروم، ومن الطبيعي أن يكون أكثر هؤلاء من أحبار اليهود الخائفين على سلطانهم أن يزيله هذا الفتى العظيم، الذي جاءهم يقول – كما حكى القرآن: { وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا  تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (سورة آل عمران: 49 – 51)، فتعاون الخائفون على سلطانهم حكاما وأحبارًا على الخلاص من النبي الكريم، ولكن الله تعالى نجّاه منهم.
كان هذا الحادث من كبار حوادث تاريخ القدس أثرًا في العالم؛ لما بُني عليه من عقيدة الفداء التي قامت عليها المسيحية كلها، بعد أن فسر بولس – المقتول حوالي سنة 67م – عقيدة المسيح تفسيرا آخر تماما غير ما كان يقوله المسيح – عليه السلام.
كان الرومان حينئذ قد وضعوا ولاية فلسطين – منذ سنة 29م – في يد رجل قاس هو بيلاطس البنطي، واتخذ بيلاطس من المدينة الجديدة – التي بناها سلفه هيرود – “قيصرية” قاعدة لحكمه، وقد تآمر اليهود معه على نبي الله عيسى ( عليه السلام ) ووجدها هو فرصة ليضمن ولاء هؤلاء المشاغبين له، وسعت شرطته إلى إيقاع النبي الكريم في يد أعدائه اليهود.
 وكانوا قد ظنوا حينئذ أنهم متى أرادوا قتل نبي قتلوه، ولم يمنعهم من ذلك أحد، حتى الذي أرسله! ولكن الله تعالى كما افتتح حياة عبده الصالح “المسيح” بآية من آيات قدرته، فقد ختمها أيضا بآية من هذه الآيات، قال تعالى عن اليهود: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (سورة النساء: 157 – 158).
لم يجد عيسى ( عليه السلام ) في مجتمع القدس وفلسطين من يجيب دعوته إلا نفرا قليلا من الحواريين، مما يعني أن الانتقال بالخير والنبوة من بني إسرائيل إلى غيرهم صار أمرًا لابد منه؛ ليعتدل حال البشرية، ويستقيم ميزان الحياة الإنسانية، ولكن النبوة الجديدة لم تأتِ إلا بعد حوالي ستة قرون، أكّدت أن البشرية لا غنى لها عن الوحي والعون الإلهي. وكان التقاء الأنبياء أولِهم وآخرِهم ليلة الإسراء وفي رحلة المعراج علامة وحدة وأخوة عميقة شهدتها القدس ورحاب حرمها الشريف، كما شهدتها السموات.

القدس تحت حكم هيرود أغريبا

بعد موت هيرود الكبير (سنة 4م) تبعت القدس حكم الرومان مباشرة، ومنذ سنة 14م تولى أمر فلسطين جابٍ صغير، وتولاها سنة 29م بيلاطس البنطي الشهير، لكنه لم يمكث في منصبه سوى سنوات قلائل، فقيل إنه مات منتحرا، وقيل بل نفاه الرومان إلى بلاد الغال (فرنسا) حيث مات.
وجدد الرومان ثقتهم في الأسرة الأدومية، ووجدوا في هيرود أغريبا – حفيد هيرود الكبير – مَن يصلح لولاية فلسطين. وكان هذا الرجل ممن تربوا في روما، وشربوا عادات الإمبراطورية، ونشأوا على الولاء لها.
ونجد أخباره وأخبار ابنه هيرود أغريبا الثاني في “أعمال الرسل” من العهد الجديد، فنروي ما فيه، ونكل علمه إلى الله تعالى.
أما هيرود أغريبا الأول، فقد ولته روما سنة 37م على بعض الأنحاء، ثم وسَّعت سلطته حتى نصّبته ملكا على فلسطين سنة 41م، ومع أنه – حسب الرواية التي لا ندري أنها صحيحة بغير شك – قد مات سريعا سنة 44م، حيث أكله الدود لادعائه الألوهية – مع ذلك فالمؤرخ اليهودي الشهير يوسفوس ينسب إليه أنه أقام سورا جديدا بالجهة الشمالية للقدس، وأدمج الطرف الجنوبي للتل الغربي في المدينة، فاتسعت كثيرا عما كانت عليه في عهد جده هيرود، حتى صارت مساحتها 310 أكرات (الأكر “Acre مقياس للمساحة أقل من الفدان، ويساوي 4000م2 تقريبا).
بعد وفاة هيرود أغريبا السريعة وُضعت القدس وفلسطين تحت الوصاية الرومانية من جديد، ورفضت روما أن تولي هيرود أغريبا الثاني عقب وفاة أبيه؛ لحداثة سنه، فواصل إقامته في روما، حتى حظي عندها، وولّته مَلكا على فلسطين وبعضِ مناطق لبنان الداخلية. وحين تولى إمبراطور روما الطاغية نيرون عرش روما (54 – 68م)، وسّع من مناطق سلطة هيرود أغريبا، الذي بقي في منصبه حتى دمر القائد الروماني تيطس القدس سنة 70م.
وإلى فترة حكم أغريبا الثاني يُنسَب إتمام بناء ما يسمى بالهيكل (سنة 64م)، الذي كان هيرود الكبير – جد أبيه – قد بدأ في إقامته سنة 20م.
وقد اعتنى المؤرخ اليهودي المجرَّح في روايته “يوسفوس” بأخبار هذا البناء، فمساحته ضوعفت، وجاء بناءه بالصخور البيضاء، وارتفع سطحه أكثر من بناء سليمان..

التدمير الروماني للقدس

في بداية الحكم الروماني لفلسطين، بدا اليهود بقايا أمة تدعي لنفسها التميّز، ولكنها لا تملك لذلك أسبابا، ولا تقدم عللا مقنعة بهذا التميز، فقط هم الشعب المميز أو “المختار” الذي التصق به هذا الفضل، ولن ينفصل عنه، مهما زاغ عن طريق الصالحين من الآباء، وسار على نهج الكافرين والملحدين منهم.
وفي الوقت نفسه كان الرومان يولون على فلسطين وجوها قبيحة سفاكة للدماء، فكان ذلك مدعاة لإثارة الكثير من القلاقل، خاصة في القدس.
والحقيقة أن المصادر قلّما تحدثنا عن تاريخ غير اليهود بالقدس طوال بضعة قرون قبل الميلاد، وبضعة قرون أخرى بعده، فيبدو تاريخ القدس أثناء هذه الفترة على أنه صراع بين اليهود وبين الغزاة من البابليين والآشوريين واليونان والرومان، أو انفراد من الغزاة بالقدس بعد نفي اليهود منها، وكأن هذا النفي مرحلة مؤقتة لابد أن تنتهي بالعودة اليهودية!!
وهذا نقصٌ شنيع في المصادر، أتاح لليهود فرصة رسم التاريخ كما شاءوا، من خلال مصادرهم التي لا يرقى مستوى الكثير من محتواها إلى مقام الفلكلور الشعبي الذي حُشي بروايات لا وزن لها!! والمشكلة أن الكثير من المسلمين يأخذون بهذه المرويات وبالقراءات اليهودية المنحازة للمكتشفات الأثرية الفلسطينية على أنها شيء مسلَّم!!
وعند العودة إلى التدمير الروماني للقدس، سنجد أن الرومان قد ولوا على فلسطين وجوها قبيحة تسلطت على رقاب العباد، واهتمت بجمع المال والثروة، يقول المؤرخون عن أحدهم: “كان ألبينوس يقبل الرشوة من كل ناحية، ولا يترك في السجن سفاحا يستطيع أن يدفع له ثمن حريته، ويسمح للمتنافسين من رؤساء الكهنة أن يخوضوا معاركهم في الشوارع، ويجرب بنفسه التلصص وقطع الطريق. ولكن حتى ألبينوس هذا كان ملكا عادلا إذا قيس بخلفه جيسيوس فلورس (64 – 66م)، ذلك الذي بدأ بسلب الأفراد وقتلهم، ثم انتهى بتدمير المدن برمتها، ولم يكن على قطّاع الطرق جرم طالما ظفر فلورس بنصيبه من الغنيمة”!!
كان هذا حال الحكام الوثنيين الذين ولاهم الرومان أمر القدس وفلسطين، فلم يكن لهم دين يعلّمهم، أو شرع يوجّههم، وأما اليهود فقد كان لديهم من تراث الآباء وهَدْي الأنبياء ما هو كفيل بإنقاذهم لو راعوه وعملوا به!!
ولم يكتفوا بالبعد عن الحق، بل حاربوا أهله، وشنوا حربا على أتباعه أوقدوا نيرانها أكثر مما فعل الرومان، وكان اضطهاد المسيح ( عليه السلام ) وأتباعه من أبرز الأمثلة على ذلك.
من هنا بدت الساحة وفي الصورة فريقان كلاهما خاطئ، تعاونا على وأد الحق، وافتنّا في مخالفة الحَسَن من الأخلاق والقويم من العقيدة، فسلط الله قويَّهم (الرومان) على ضعيفهم (اليهود)، وذلك أن اليهود ثاروا على شدة الوالي الروماني “فلورس”، وذبحوا الحامية الرومانية في القدس عام 66م.
اهتزت هيبة الرومان بهذه المذبحة وغيرها في أنحاء فلسطين، فوجهوا سنة 67م جيشا للانتقام عدته 60 ألف مقاتل، ويقوده فسباسيان – الذي سيصير إمبراطورًا على روما بعد عامين من بدء الحملة – واشتدت وطأة الجيش الزاحف، لكنه وجد صعوبات في طريقه، حتى وصل إلى أسوار القدس، وفي هذه الأثناء (سنة 69م) وقعت أحداث على مستوى الدولة الرومانية الكبيرة، تدخلت أثناءها فرق الجنود الرومان في سوريا، ووضعوا قائد الحملة فسباسيان إمبراطورا على الدولة الكبيرة.
لم ينس الإمبراطور الجديد أن يترك على الحملة قائدا قويا لتحقيق الهدف منها، فكان هذا القائد هو ابنه تيطس الذي حاصر القدس من الخارج، ونار الفتنة والخلاف بين فرق اليهود تشتعل في داخلها، وآلام الجوع والوباء والقتل تتصاعد، حتى نقب الرومان الحصون، ودخلوا المدينة، ونيران الحقد لاغتيال حامياتهم في فلسطين تتحكم في مشاعرهم، فدمروا وقتلوا، وسيطروا على بيت عبادة بني إسرائيل.
انتهت هذه الأحداث – كما تذكر رواية يوسفوس المؤرخ اليهودي الذي شارك إلى جانب الرومان في معارك شمال فلسطين – انتهت بالاستيلاء على القدس في أغسطس سنة 70م، ولكن ميل المجموعات اليهودية إلى صنع القلاقل والثورات كان كامنا في نفوسهم، خاصة بعد أن نوى الإمبراطور الروماني إيليوس هادريانوس سنة 132م إقامة مدينة جديدة في القدس، تأخذ طابع الوثنية التي يعتنقها، وحال بين اليهود وبين تأدية طقوسهم التعبدية في القدس، فخرج رجل يهودي اسمه “بركحفا”، وادعى أنه المسيح الذي ينتظره اليهود، وتزعم الثورة ضد الرومان، واستطاع بالفعل طرد الرومان، وبقي مستقلا ثلاث سنوات، حيث جرد له هادريانوس حملة قوية استطاعت عام 135م أن تدمر مئات القرى، وتسقط عشرات القلاع، وتسحق بركحفا ومن معه، وتدمر المدينة المباركة (القدس) وبيت عبادة بني إسرائيل، حيث صارت المدينة خاوية على عروشها.
وحُرِّم دخول القدس على مَنْ بقي من اليهود بعد الحرب، وشتت الرومان جموعهم، “ولم تعد هناك جماعات يهودية في ضواحي المدينة.
وفي احتفال بالحدث في روما، صُنع للقائد الظافر تيطس قوس النصر، ونُقشت عليه بعض مشاهد ما جرى – وما زال هذا الأثر باقيا –يبدو فيه مشهد أسلاب الحرب والأواني الذهبية والشمعدان اليهودي الشهير.
 (د. عبد الحميد زايد: القدس الخالدة صـ 145 وما بعدها، وهامرتن وآخرون: تاريخ العالم؛ الفصل 69 صـ 655)

هادريانوس يبني إيلياء (القدس)

“كان من أقدر الرجال الذين شغلوا منصب الإمبراطور على مر التاريخ” – هذا هو إيليوس هادريانوس، الذي زار القدس واطلع على أحوالها سنة 130م، وأزمع سنة 132م أن يبنيها من جديد، لا كمدينة أنبياءَ يُعبد فيها اللهُ الواحد، ولكن كمدينة وثنية تخلّد ذكر الإمبراطور، وحين وقف بعض اليهود في طريقه أنهى الوجود اليهودي في القدس، وهدم المدينة المباركة سنة 135م.
اختار إيليوس هادريانوس للإشراف على بناء مدينته الجديدة أحد رجاله المخلصين له، المسمى “روفوس تيمايوس”، واختار للمدينة اسم “إيليا كابيتولينا”؛ أي “مدينة إيليوس”؛ تخليدا لاسمه، وكان من عادة أباطرة روما أن يسموا المدن التي يشيدونها بأسمائهم، كما سيفعل قسطنطين الكبير عند بنائه القسطنطينية في القرن الرابع للميلاد.
أُقيمت إيلياء على الطراز الروماني، وضمت معابد وثنية ومسرحا، وحُفرت لها بِركة ماء، وشُيّد فيها سوقان وتجمعات سكنية..
يقول أحد الباحثين عن هادريانوس: إنه “بنى معبد جوبيتر على أنقاض المعبد القديم، وأقام تمثالا لنفسه أمام المعبد، كما أقام أيضا معبدا لفينوس.. وبُنيت أسوار إيليا لتضم المدينة القديمة الحالية، واستثنى منها مدينة داود، في القسم الجنوبي للحافة الشرقية، وكذلك جبل صهيون الحالي على التل الجنوبي الغربي”.
هذا، وقد كشفت الحفريات في القدس وحولها عن العديد من العناصر المعمارية التي ترجع إلى عصر الرومان، “ولكنها لا تكفي لإعطائنا صورة واضحة عن التخطيط القديم للمدينة الرومانية”.
وقد بقي اسم إيلياء علما على المدينة المباركة طوال الفترة الرومانية والبيزنطية، واستخدمه العرب والمسلمون، وورد في بعض أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – ولكنه سرعان ما اختفى في أعقاب الفتح الإسلامي، وحلت محله الأسماء العربية الإسلامية المشرقة، مثل: القدس، وبيت المقدس..

القدس والتحول الروماني إلى المسيحية

هذا التحول من الوثنية إلى المسيحية جاء حسب تأويل شاول (بولس) للرسالة السماوية، لا كما جاء بها عيسى ( عليه السلام ) لكنه كان تحولا من كبار التحولات في تاريخ أوروبا والشرق، وكان له تأثير مهم في تاريخ القدس..
ففي سنة 313م اختار الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير (ت 337م) المسيحية ديانة رسمية لدولته، وكان شكلُ الديانة الجديد قد أعطى النبيَّ الكريم عيسى ( عليه السلام ) موقعا مركزيا في الكون كلِّه، فلم يصر عندهم عبدًا لله – كما هو الحق – ولكنه عُدَّ ابنا للخالق – سبحانه وتعالى – مما يراه الكثيرون من دارسي المسيحية تصالحا بين الوثنية وبين الديانة الجديدة، حيث يصبح الإنسان المتميِّز وسط التركيب الاجتماعي القائم ابنا للإله الأعظم، كما هو الحال عند المصريين القدماء واليونان والرومان وغيرهم.
وما دام المسيح قد وُضع هذا الموضع، فلابد أن تكون للأماكن التي يعتقد المسيحيون أنه عاش فيها قداسة خاصة، فعدوا إيلياء كلها مدينة مقدسة “مدينة الرب”، وجعلوها موضعا يحجون إليه من أرجاء الدنيا، وإن بقيت بعض المدن – حسب قرارات مجمع نيقية سنة 336م – في منزلة أهم منها وأكثر قداسة، وهي: روما وأنطاكية والإسكندرية، حيث قامت في كل واحدة منها بطريركية كبيرة، في حين بقيت القدس مجرد أَسقُفِّيّة، حتى جاء مجمع خلقدونيا المسكوني سنة 451م، فرفع إيلياء “القدس” والقسطنطينية إلى درجة البطريركية.
لقد كان للتحول الروماني إلى المسيحية تأثير كبير في القدس والعالم، فبعد أن كانت هذه الدولة المترامية الأطراف مضطهِدةً لأتباع المسيح ( عليه السلام ) صارت حامية وممثلة لهم، كما أن إيلياء “القدس” التي أقامها إيليوس هادريانوس للمعبودات الرومانية واليونانية الوثنية، قد لبست زيَّ المسيحية الجديدة، وبنى الرومان فيها الكنائس منذ زمن مبكر لاعتناقهم هذه الديانة، وإن كان ذلك بعد المسيح ( عليه السلام ) بثلاثة قرون كاملة.
وأشهر الشخصيات التي شاركت في إقامة الصروح المسيحية في القدس هي “هيلانة” – والدة قسطنطين الكبير – التي عُدَّت قديسة لهذا السبب، فيذكر المؤرخون أن مكاريوس – مطران إيلياء – قابل الإمبراطورة هيلانة، وحدثها عن الحالة السيئة للمدينة، ولابد أنه ذكّرها بأنها “مدينة المسيح”، فقامت الإمبراطورة بزيارة تاريخية إلى القدس سنة 326م، واطلعت على حالها من قريب، وعاينت مع المطران مكاريوس ما ظنا أنها أماكن ارتادها المسيح، أو كانت له فيها بعض المواقف، وبنت كنيسةَ القيامة في الموضع الذي ظنا أنه المكان الذي دُفن فيه المصلوب، واعتقدا أنه قام منه بعد الدفن. وقد شكك دارسو العهدين القديم والجديد في دقة هذا الاختيار، فقالوا: “توجد في أورشليم أماكن كثيرة يربطها التقليد بحوادث في حياة يسوع المسيح، ولكن لا يمكن التثبت إلا من القليل منها على وجه التحقيق.. ويقول التقليد إن كنيسة القيامة مقامة فوق مكان الصلب ومكان قبر يسوع المسيح، ولكن يظن بعض العلماء أن موضع هذين المكانين غير معروف، ويقول بعض العلماء: إن موضعهما يقع إلى الشمال من الأسوار الحالية”.
وقد أقام أباطرة الرومان في القدس كنائس أخرى، مثلما فعلت الإمبراطورة أيودكسا في منتصف القرن الخامس الميلادي، كما شيدوا في المدينة صروحا كثيرة، مثل دار ضيافة الحجاج الأجانب ودار ضيافة الفقراء المرضى في الزاوية الجنوبية الشرقية للقدس الرومانية، وتُنسب الداران إلى الإمبراطور جستنيان (ت 565م)، وقد كُشف عن بقاياهما حديثا.

القدس في حيازة الفرس الساسانيين

آخر قوتين تنافستا على السلطان في العالم قبل انتشار الإسلام هما: الفرس الساسانيون والروم البيزنطيون، وقد كانت الوقائع بينهما ساخنة في السنوات الأولى للإسلام، فحين كان المسلمون مضيَّقا عليهم في مكة وشِعابها، وقعت معارك كبيرة بين الفرس والروم حُسمت أولا لصالح الفرس في وقعة حربية حامية في فلسطين..
وقد استطاع الفرس في مراحل الصراع المتتابعة الاستيلاء على مدن مهمة، كدمشق (سنة 610م)، ولكن وعورة الطرق الشامية، والوقتَ الطويل الذي كانت تقضيه الجيوش في حصار المدن – أخّرا السيطرة الفارسية على القدس إلى سنة 615م، حيث وقعت بأرض فلسطين تلك المعركة التي أشار إليها القرآن الكريم في صدر سورة الروم، وذكر أن الروم بعد هزيمتهم ستَرْجَح كِفَّتهم على الفرس في لقاء حربي آخر لن يتأخر موعده عن بضع سنين (أي 9 أو 10 سنوات على الأكثر).. يقول تعالى: {الم. غُلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبهم سيَغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد..} (سورة الروم: 1 – 4).
تقول الروايات: إن القائد الفارسي الذي تولى الاستيلاء على القدس هذه المرة يدعى “خوريام”، الذي كان ينطلق من مقره في قيصرية، وقد تيقنت بقايا اليهود في بيت المقدس من قوة الزحف الفارسي، فأعدوا لتسليم المدينة للفرس، وغلبوا النصارى على أمرهم، فدخلت خيول فارس مدينة بيت المقدس بعون يهودي.
ولكن لم تمر سوى بضعة شهور حتى كان نصارى بيت المقدس يثورون ضد الفرس، ويقتلون قادتهم، ويسيطرون على القدس من جديد.. وهنا جاء قائد فارسي آخر (هو شاه ورز) ليستعيد المدينة من الروم، فضرب عليها الحصار، ووجد من اليهود عونا جديدا وكبيرا على هدم الأسوار، حتى نجح بعد تسعة عشر يوما من الحصار في دخول القدس، ووقعت مقتلة عظيمة في صفوف الروم (مايو سنة 615م)، هلك فيها كثير من الرهبان والراهبات..
وقضى الفرس واحدا وعشرين يوما في القدس بعد أن سيطروا عليها، لم يكن فيها إلا القتل والتنكيل والنهب والإحراق، حتى خربوا كنيسة القيامة وغيرها من الكنائس، وجردوها من كنوزها، واستولوا على صليب الصلبوت المقدس لدى النصارى، وأُسر من الروم وأعوانهم عدد هائل، كان اليهود يشترون بعضهم ليستمتعوا بقتلهم!!
وكانت المفاجأة أن الوفاق لم يدم بين الفرس واليهود، فأُبعد اليهود عن القدس، ورضي الفرس أن يعيد النصارى إعمار كنائسهم ففعلوا، وسُجِّل ذلك في خطاب تاريخي من رئيس الجماعة المسيحية في فلسطين “مودستوس” إلى “كومتاس” – نظيره في أرمينيا – فقال: “لقد جعل الله أعداءنا أصدقاء، وأنزل الرحمة والرضوان في قلوب غزاتنا، على حين أن اليهود الذين اجترءوا على معاداة هذه الأماكن الشريفة وإحراقها قد شردهم الله من البلد المقدس، وقُدِّر عليهم ألا ينزلوا به ولا يروه، وقد أُرجعت فيه بيوت العبادة إلى سابق عزها ومجدها.. لقد عادت كل كنائس بيت المقدس إلى سابق سيرتها؛ تصلي فيها القسس، ويسود السلام على مدينة الله وما حولها”.

البيزنطيون يستعيدون القدس

لم تتوقف حوافر الخيول الفارسية عن السياحة فوق أرض الروم وغزوها عند حدود الشام، بل امتدت إلى مصر، ووصلت إلى آسيا الصغرى وساحل البوسفور المواجه للقسطنطينية نفسها. ومع أن الفرس أتاحوا للنصارى فرصة ممارسة شعائرهم وإعمار كنائسهم في القدس، إلا أن كسرى عمد إلى إذلال رءوس الروم، حتى القيصر هرقل نفسه، وأرسل إلى هرقل مع أحد رسله يقول: “قل لمولاك إن دولة الروم من أرضي، وما هو إلا عاص ثائر وعبد آبق، ولن أمنحه سلاما حتى يترك عبادة الصليب ويعبد الشمس”!!
أغضب هذا هرقل، وبعد أن كان مستسلما هو وقومه لقدر الوقوع في يد الفرس، إذا به يهب نفسه لافتداء “الصليب المقدس”، ويحشد مائة وعشرين ألفا من قومه، ويتحرك للقائهم في نفس عام هجرة النبي – صلى الله عليه وسلم – من مكة إلى المدينة؛ أي عام 622م..
وقد كان المسلمون ومشركو مكة على السواء يرقبون الموقف، ويتابعون أخبار الأحداث وتطوراتها في حرب طاحنة متوقعة، فقد ذكر القرآن أن الروم سيعودون بعد هزيمتهم الأولى ليذوقوا طعم النصر، وتراهن بعض المسلمين وبعض المشركين على من سينتصر، ومال كل فريق إلى تشجيع طرف من الطرفين؛ فأما المشركون فمالوا إلى الفرس لمشابهتهم لهم في وثنيتهم، وأما المسلمون فمالوا إلى الروم أهل الكتاب مثلهم.
وجرى القتال في مواضع مختلفة؛ مثل قليقيا وطرابزون، واشتعلت المعارك طوال ست سنوات، حتى حُسمت لصالح الروم عندما استولوا على دستجرد (على بعد 80 ميلا من المدائن عاصمة كسرى) في فبراير سنة 628م.
وقد غمرت السعادة والفرحة هرقل والروم، خاصة لاستعادتهم ما يسمى “الصليب المقدس”، وسار هرقل على قدميه حاجا من حمص إلى بيت المقدس، حيث قرر أن يكون احتفاله بالنصر الكبير على الفرس، وليعيد الصليب المذكور إلى كنيسة القيامة. وقيل إن كتاب النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – إلى هرقل يدعوه وقومَه إلى الإسلام – قد وصل إلى يد هرقل أثناء هذه الرحلة.
ولم ينس الروم الانتقام من اليهود، فنفاهم هرقل خارج القدس، ومنعهم من العودة إليها أو الاقتراب منها إلى مسافة ثلاثة أميال من الأسوار، بل قيل إنه قتلهم “حتى لم يبق منهم أحد في دولة الروم ومصر والشام إلا من هرب أو اختفى”.

القدس فيالكثير من المصادر الإسلامية تناولت القدس: تاريخَها ومنزلتها وفضائلها، سواءٌ أكان ذلك على صورة مؤلفات خاصة بالمدينة المقدسة، أم ضمن مؤلفات عامة.
والنوع الأول مثل: “فضائل بيت المقدس” لأبي العباس الوليد بن حماد الرملي (ت 300هـ تقريبا)، وبنفس العنوان لهبة الله بن صصري (ت 586هـ)، ولأبي الفرج بن الجوزي (ت 597هـ)، ولبهاء الدين بن عساكر (ت 600هـ).. وقال صاحب “كشف الظنون”: “تواريخ القدس منها: إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى، والأنس في فضائل القدس، والأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، والجامع المستقصَى في  فضائل المسجد الأقصى، وباعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس – وهو ملخص الجامع والروض المغرس في فضائل بيت المقدس – وفتوح بيت المقدس، وقدح القسي في الفتح القدسي، ومثير الغرام إلى زيارة القدس والشام..”

وأما أمثلة المؤلفات الإسلامية العامة التي تعرضت للقدس، فمنها: “تاريخ الأمم والملوك” لمحمد بن جرير الطبري (ت 310هـ)، و”فتوح الشام” للواقدي (ت 207هـ)، و”كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية” لأبي شامة (ت 665هـ).. إلخ.
والملاحظ أن هذه الكتب حين تتناول تاريخ القدس قبل الإسلام، تكتفي بسرد الروايات اليهودية حول صلة الأنبياء وعلاقة بني إسرائيل بهذه المدينة. وهذه المرويات اليهودية بها كثير من النقص والتحريف، وبالتالي لا يبدو التاريخ من خلالها دقيقا.
والمؤرخون المسلمون فعلوا هذا لأسباب منها:
أولا  لم يجدوا أمامهم مصادر تؤرّخ للقدس قبل الإسلام سوى ما جاء في مرويات بني إسرائيل.
ثانيا  لم يكن هنالك صراع على القدس وهويتها بين اليهود والمسلمين، حتى يمحص المسلمون المرويات، وينفوا الخطأ الكبير الذي شاع، وهو أن تاريخ القدس هو نفسه تاريخ اليهود!!
ثالثا  كان من عادة مؤرخي المسلمين المتقدمين أن يثبتوا المرويات كما هي، ومعها سندها، ولكن جاء بعدهم مَن لم يكتفِ بنزع الأسانيد، فروى هذه الحوادث بلا نقد، وكأنها جميعا تاريخ حقيقي لا يرقى إليه شك.
ونتيجة لما سبق انتشرت مجموعة من المرويات غير الصحيحة حول القدس وفضائلها، وكأن ما ثبت وتأكد بالقرآن والسنة من فضل هذه المدينة المباركة غير كاف!! وأغلب هذه الروايات المختلَقة تخص أماكن معينة من القدس بأنها هي التي شهدت الحادث الفلاني، دون أن تكون هناك رواية صحيحة تثبت هذا، ومن هذه الأماكن: وادي النمل (الذي شهد ما قصه القرآن من حكاية النملة مع جيش نبي الله سليمان)، ومحراب داود.. إلخ.
ويبدو أن الحرص على هذا الربط يرجع إلى عادة بيزنطةَ المسيحية في تقديس الأماكن التي يظنون – مجرد ظن لا تحقيق له – أنها ترتبط بأحداث في حياة المسيح عيسى ( عليه السلام )حيث يبنون الأديرة والكنائس، فانتقل التأثير بصورة لا شعورية إلى غيرهم.
وقد أثبت المؤرخ الحافظ ابن كثير جذرًا مهمًّا لكثير من الاعتقادات الشائعة عند عامة المسلمين حول القدس، مثل أن هذا المكان هو واد في جهنم، وهذا موضع الصراط، وأن هذا هو كذا وكذا مما يتصل بأمور الآخرة، وليس لذلك أصل.. يقول ابن كثير – وهو يتحدث عن عظمة البناء الذي أقامه الأمويون فوق صخرة بيت المقدس: ” وافتتن الناس بذلك افتتانًا عظيمًا، وأتوه من كل مكان، وقد عملوا فيه من الإشارات والعلامات المكذوبة شيئا كثيرا مما في الآخرة، فصوروا فيه صورة الصراط وباب الجنة وقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ووادي جهنم، وكذلك في أبوابه ومواضع منه، فاغتر الناس بذلك وإلى زماننا”. ولا زالت هذه الأفكار ثابتة راسخة عند كثير من الناس إلى اليوم!!

معرفة عرب الجزيرة بالقدس قبل الإسلام
لم تكن أمِّية العرب في الجزيرة لتحول دون معرفتهم بالعالم من حولهم، فكانوا يعرفون الهند والصين ومصر والحبشة، ولكن معرفتهم بالشام والعراق كانت أوسع وأعمق، خاصة أن هاتين الجهتين استقبلتا الكثير من الهجرات العربية المتتابعة طوال التاريخ، وقامت فيهما وعلى أطرافهما ممالك عربية (المناذرة في الحِيرة والغساسنة في أطراف الشام) توالي الفرس والروم.
وكان عرب غرب الجزيرة أعرفَ بالشام ومدنها من العراق وحواضرها، ولم يكن قرب المسافة وحده هو الذي أنتج هذه العلاقة، بل كان نشاط التجارة بين غرب الجزيرة والشام أدعى لترددهم عليها، وطوافهم بأنحائها، فكانت قريش – مثلا – تعد قوافلها الصيفية لتتجه إلى الشام سنويا، فعرف الكثيرُ من القرشيين – وغيرهم من العرب – أحوال حواضر الشام ومدنها، خاصة الواقعة في الجنوب، ومنها إيلياء: بيت المقدس، وغزة التي “كانت وجه متجرهم”؛ أي مقصدهم في تبادل السلع والمتاجرة بأموالهم.
وقد حُفظت لنا بعض الروايات الصحيحة لدخول العرب بيت المقدس قبل أن يعم الإسلام الجزيرة العربية، ففي صحيح البخاري أن أبا سفيان بن حرب أخبر: “أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم )مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش (أي في صلح الحديبية عام 6هـ)، فأتوه وهم بإيلياء..”، وفي رواية لابن إسحاق قال أبو سفيان: “فقال هرقل لصاحب شرطته: قلِّب الشام ظهرا لبطن، حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه. فوالله إني وأصحابي بغزة، إذ هجم علينا فساقنا جميعا..”.
وكان هرقل يريد أن يسألهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ) وحاله فيهم، بعد أن تلقى منه رسالة تدعوه وقومَه إلى الإيمان بالله وحده والدخول في الإسلام.
ولا شك أن الاهتمام الخاص الذي كان يوليه الروم للقدس كان من أسباب شهرتها ومعرفة العرب بها، خاصة أن النصارى كانوا يأتون من بلاد عديدة ليحجوا إلى كنائس القدس، مما يشبه – في بعض الوجوه – حجَّ العرب إلى البيت الحرام في مكة.
وربما سمع العرب من اليهود (الذين سكنوا في اليمن والمدينة وخيبر وفدك وتيماء) أشياء عن القدس، أعطتهم انطباعا خاصا عن قَدْر هذه المدينة، وما سبق للأنبياء من عيش في رحابها، وادعاء اليهود أنها مدينتهم التي وُعدوا بها.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم )  بالتأكيد يعرف إيلياء (القدس) قبل بعثته كما يعرفها قومه، خاصة أنه شاركهم في الأسفار التجارية الصيفية إلى الشام.
وقد حاولت قريش أن تستخدم خبرتها ومعرفتها بالقدس لتثبت كذب النبي صلى الله عليه وسلم) حين أخبرها بإسراء الله به إلى المسجد الأقصى، لكن الله تعالى أيده.. قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم ): “لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِس،ِ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلا اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْه” (رواه البخاري وأحمد).
وفي رواية لأحمد أنهم قالوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ): فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ. قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ أَوْ عُقَيْلٍ فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ. قَالَ وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ. قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ!!
ويروى أيضا أنهم قالوا: يا محمد، صف لنا بيت المقدس، كيف بناؤه؟ وكيف هيأته؟ وكيف قربه من الجبل؟ وفي القوم من سافر إليه، فذهب ينعت لهم..”.
وفي معرفة العرب بالقدس قبل الإسلام يقول أحد أهل العلم: “وحكم تخصيص الإسراء إلى المسجد الأقصى: أن قريشا تعرفه، فيسألونه عنه، فيخبرهم بما يعرفونه، مع علمهم أنه صلى الله عليه وسلم ) لم يدخل بيت المقدس قط، فتقوم الحجة عليهم”.

النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) في القدس
أكّد الإسلام على التواصل بين الأنبياء والرسل، وأنهم جميعًا متفقون في الأصول والأسس، وكل نبي يأتي ليكون جزءًا من بناء واحد يجمعه هو وإخوانَه من النبيين، وهو بناء دلّ أصحابُه الخلقَ على الله، وعاشوا حياتَهم فوق الأرض عِيشة شريفة طيبة، بلا استعلاء ولا استكبار، ولا مخاصمة للخلق من أجل الدنيا.
قال الله تعالى: { وَمَا  أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ  لاَ  إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (سورة الأنبياء: 25).
وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ): ” مَثَلي ومَثَلُ الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارًا فأكملها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطيفون بها ويقولون: هلاّ وُضِعَت هذه اللبنة” (رواه البخاري ومسلم).
ويتبع هذه الصلةَ رباطٌ آخر يصل بين البيوت التي أقامها الأنبياء لعبادة الله تعالى، فأولها بيت إبراهيم (المسجد الحرام)، وبعده المسجد الأقصى، ثم المسجد النبوي بالمدينة المنورة.
وقد جاءت رحلة الإسراء والمعراج لتؤكد هذه المعاني، وتعبر – فيما تعبر عنه – عن هذه الصلات بين الأنبياء من أولهم إلى خاتمهم، وكذلك بين مسجد مكة ومسجد القدس.
هذه الرحلة – التي تأكدت بالقرآن الكريم والسنة المتواترة – جرت قبل الهجرة إلى المدينة، لكن لم يُحدَّد بالضبط تاريخها، فمن قائل إنه بعد البعثة بنحو من عشر سنين، ومن قائل إنه قبل الهجرة إلى المدينة بسنة، أو بستة عشر شهرا.
قال ابن كثير: “على قول السدي يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري وعروة يكون في ربيع الأول”.
وقد ذكر حديثٌ في فضائل شهر رجب أن الإسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب، ولكن ابن كثير قال عنه: “لا يصح سنده”.
وفائدة هذا أن نعرف: من كان يسيطر على القدس حين دخلها النبي صلى الله عليه وسلم ) ليلا في صحبة الملائكة، فلم يملك أحد أن يصدَّه عنها، وصلى بالأنبياء في أرض المسجد الأقصى؟
لقد سيطر الفرس على القدس من سنة 615م (= 6 من البعثة) إلى سنة 628م (= 6هـ)، وهذا يعني أن رحلة الإسراء المباركة تمت والقدس تحت سيطرة الفرس الساسانيين، وكأنه استهزاء بالوثنية وأتباعها.
في هذه الرحلة سافر النبي صلى الله عليه وسلم )  ليلا من بيت الله الحرام، بوسيلة سفر غير معتادة تسمى “البراق”، حتى وصل إلى المسجد الأقصى، وهناك ربط البراقَ في الحَلْقة التي يربط فيها الأنبياء، وعرض عليه المَلَكُ جبريل خمرا ولبنا، فشرب اللبن، وترك الخمر، فقال له جبريل: ” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُك”. وأمَّ رسول الله الأنبياء، وكلهم أعلى مقاما من الشهداء، فهم عند ربهم أحياء، كما أن الأرض لا تأكل أجسادهم، فصلى بهم بأرواحهم وأجسادهم، وهم يشهدون له بصدق رسالته ونبوته.
وبعد أن انتهى من جزء الرحلة الأول “الإسراء”، كانت القدس محطةً لانطلاقه صلى الله عليه وسلم )  في المرحلة الثانية “المعراج”، حيث الصعود في رحلة تكريمية وتكليفية له ولأمته إلى السموات العلى وسدرة المنتهى.
ورحلة الإسراء والمعراج هذه أعطت القدس لدى المسلمين أهمية عظيمة؛ لأن الله تعالى اختارها مقصدا للإسراء وبداية انطلاق للمعراج، فتأكد من ذلك خصوصيتها بالفضل ورفيع المنزلة من دون بقاع كثيرة من الأرض.
(ابن كثير: البداية والنهاية 3/ 108 – 109)

هل كان المسجد الأقصى قائمًا كبناءٍ عند الإسراء؟
لهذا السؤال أهميته؛ لأن المعروف اليوم هو أن بيت العبادة الذي ورثه بنو إسرائيل عن نبي الله سليمان ( عليه السلام ) قد حطمه الرومان تماما (للمرة الثالثة والأخيرة) سنة 135م، وفي المقابل نجد بعض الأحاديث الصحيحة تروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم )  وصف لقريش “المسجد” الذي أُسري به إليه، وأوضحُ من ذلك قول القرآن الكريم: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } (سورة الإسراء: 1).
ولتوضيح هذه المسألة نذكر ما يلي:
أولا  لا يُشترط في كلمة المسجد أن تدل على بناء له سور يحيط به، فالمسجد الحرام كان لأول عهده بغير سور، والمسجد الأقصى لا يراد به بناء معين في هذه الأرض المباركة، وإنما يُقصَد به الحرم القدسي كله، ويضم الآن مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى – الذي بناه عمر بن الخطاب أول مرة بعد الفتح – كما يضم أبنية أخرى. ومن هنا نستطيع أن نفهم أن الإسراء إلى المسجد الأقصى لا يعني بالضرورة أن يكون انتقالا إلى بناء يسمى بهذا الاسم.
ثانيا  الروايات الصحيحة لحديث الإسراء أكثرها يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم )وصف لقريش “بيت المقدس”، وهو على الراجح البلد وليس المسجد؛ لأن قريشا لن تصل خبرتها بالقدس ومعالمها إلى حد أن تعرف الوصف التفصيلي للمسجد الأقصى كبناء، إلا إذا كان هذا المسجد فخما ضخما يجذب الناس إليه، وفي هذا العهد لم يكن في الأقصى بناء كهذا البناء. وقد يكون وصف لهم المسجد بالفعل، ولكن كمكان له مداخل ومخارج، وليس كبناء له صفات معينة..

عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ – رَضِي اللَّه عَنْه – قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ) يَقُولُ: “لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْه” (رواه البخاري وأحمد).

وفي رواية ابن عباس عند أحمد: “قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ، وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ): فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ. قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ، حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ – أَوْ عُقَيْلٍ – فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ. قَال: وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ. قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَاب”. واستعمال لفظ المسجد هنا على لسان قريش غريب، ليس لأنهم لم يكونوا يستعملونه، ولكن لأن استعمالهم له يعني هنا أنهم كانوا يربطون بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى كأماكن متحدة في هدفها وغايتها، وهذا بعيد جدا.

 بيت المقدس.. القبلة الأولى لأهل الإسلام
الصلاة من الفرائض الأساسية في شرائع الأنبياء، وأخذت في الرسالة الخاتمة موقعا بارزا. واستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة – فريضة كانت أو نافلة – بغير استقبال القبلة لمن قدر على ذلك.
وإذا كانت الصلاة في الإسلام بتلك المكانة، واستقبال القبلة بهذه المنزلة منها، فلابد أن تكون القبلة المختارة لصلاة المسلم مكانا ذا خصوصية وتميز عن سواه من الأماكن.. وقد كان بيت المقدس هو القبلة الأولى لأهل الإسلام، فظل المسلمون يستقبلونه في صلاتهم بوجوههم وصدورهم حتى بعد الهجرة بستة عشر – أو سبعة عشر – شهرا، وقيل إنه كان قبلة الأنبياء جميعا.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ) يحب أن تكون الكعبة هي قبلته، فكان أثناء صلاته في مكة يتجه إلى بيت المقدس، ويجعل الكعبة معترضة أمامه.. وفي المدينة زاد رجاؤه أن تصبح القبلة إلى المسجد الحرام، حتى استجاب الله تعالى له، وصارت الكعبة هي القبلة الثابتة للمسلمين إلى يوم الدين منذ منتصف شهر شعبان من العام الثاني للهجرة.
ولأهمية هذا الحادث سجله القرآن الكريم، يقول الله تعالى: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا  اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } (سورة البقرة: 144).

وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم ) صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته البيت، وأنه صلى أول صلاة إلى الكعبة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم )  قِبَلَ (أي ناحية) مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت” (رواه البخاري).

ومن المفهوم للعقلاء أن تحويل القبلة عن المسجد الأقصى لا يعني التقليل من شأنه، أو الرغبة عنه، بل هو عود بهذا المسجد إلى الموضع الذي يمثل ينابيع النبوة الحنيفية (المسجد الحرام) الرامزة إلى التوحيد، والجامعة بين أنبياء بني إسرائيل وبين خاتم الأنبياء.

تبشير النبي بفتح القدس
سبقت فتحَ بيت المقدس مقدماتٌ وبشائر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم ) أنعشت آمال الفاتحين، وزادت المجاهدين ثباتا ورسوخَ قدم، فكانوا يطئون بحوافر خيولهم أرضا يعرفونها جيدا، ومن لم ير هذه الأرض منهم من قبل بعينيه، فقد عرف وصفها من خلال إسراء النبي ومعراجه، ومن نافذة البُشرى المحمدية بالفتح..
ففي أثناء غزوة تبوك (العام التاسع للهجرة) بشر النبيصلى الله عليه وسلم ) أصحابه باجتماع المساجد الثلاثة تحت راية أهل التوحيد، فعن عَوْف بْن مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ – حتى أحصى ستة أشياء (رواه البخاري).
وكانت غزوة تبوك هذه من مقدمات فتح القدس؛ إذ لفتت أنظار المسلمين إلى الشام كله، وسبقتها غزوة مؤتة في العام الثامن للهجرة، كأول صدام حربي بين المسلمين والروم، ثم جاءت جيوش المسلمين أيام أبي بكر وعمر حتى فتحت القدس والشام كله.
 القدس والصحب الأُول
هناك أحكام عديدة طبقها المسلمون على البلاد التي فتحوها، وقد توقف أغلب هذه الأحكام على وقوع الفتح صلحًا أو حدوثه قهرًا، وحرص الفقهاء والمؤرخون المسلمون على بيان الصفة التي فتحت بها مختلف الأمصار والبلدان، ومن ذلك فتح بصرى بالشام وصفد وطبرية بفلسطين صلحا، وفتح رامهرمز بفارس والموصل والإسكندرية بالعراق ومصر عنوة وقهرا. وبيت المقدس يحسب ضمن البلدان التي فتحت على المسلمين صلحا، وذلك في سنة ست عشرة للهجرة.
حين نجح المسلمون في تصفية الوجود الرومي في جميع نواحي فلسطين، ما عدا القدس والرملة، صار الروم محصورين في هاتين البقعتين، وتهاوت آمالهم في الحصول على أمداد أو معونات من إخوانهم خارج فلسطين، فانسحب أرطبون والرومان متجهين إلى مصر، وطلب أهالي القدس والرملة الصلح مع المسلمين، وراسلوا عمرو بن العاص لذلك، على أن يأتي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بنفسه لتسلم مفاتيح المدينة المقدسة.
تذكر الروايات أن أهل القدس حين راسلوا عمرو بن العاص على التسليم، ذكروا له أن صفة الرجل الذي يفتح بيت المقدس كما تقول كتبهم تنطبق على صفة عمر لا صفة عمرو. ويبدو أنهم أرادوا تكريم المدينة المباركة بهذا، وإعطاءها خصوصية في الفتح ليست لغيرها.

وبالفعل قدم صاحب رسول الله العظيم عمر بن الخطاب إلى بيت المقدس، ودخلها في كوكبة من الصحابة ورجال الفتح، ليتسلم المدينة من بطريقها صفرونيوس، ونزل على جبل المدينة الشرقي (جبل زيتا) ..

وكانت لحظة رائعة هذه، إذ ورث أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ) أرض الأنبياء، ووصلوا حاضر الموحدين بماضيهم، فعلوا ذلك لا بكبر وجبروت، ولا بظلم وتعال، وإنما بإيمان كالرواسي الرواسخ وخلق يسمو على الصغائر والتوافه، وعدل يترفع عن مجاملة شريف أو الجور على فقير.
وكتب أمير المؤمنين الفاروق بمنطقة الجابية في الشام كتاب الصلح بين السملمين وبين المقدسيين.
الخليفة الثاني عمر بن الخطاب :
هو ثاني الخلفاء الراشدين وأول من تلقب بأمير المؤمنين، ولقبه النبي الكريم بالفاروق، وتمت له البيعة بالخلافة يوم وفاة أبي بكر الصديق سنة 13 هـ / 634م، وهو أول من وضع للعرب التاريخ الهجري وكانوا يؤرخون بالوقائع، وهو أول من دون الدواوين في الإسلام واتخذ بيت مال للمسلمين.
شهدت خلافة عمر بن الخطاب أشد المراحل حسما في تقرير مصير فلسطين، فقد أخذت حشود البيزنطيين تتجمع في منطقة اليرموك للقضاء على المسلمين، فعزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد وولي قيادة الجيوش لأبي عبيدة بن الجراح.
ولما التقى الجمعان في معركة اليرموك في ذات العام 13هـ / 634م وتم النصر المبين للمسلمين وهزم جيش الروم شر هزيمة، أرسل أبو عبيدة بالبشارة إلى عمر بن الخطاب، فرد عليه عمر أن يوجه شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص إلى الأردن وفلسطين.
في سنة 15 هـ / 636م وبعد معركة أجنادين نجح المسلمون بقيادة عمرو بن العاص في فتح العديد من مدن الشام وفلسطين، فتوجه القائد أبو عبيده بن الجراح نحو مدينة القدس لحصارها وفتحها، وصادف حصار المسلمين لمدينة بيت المقدس أيام الشتاء والبرد، فظن الروم أن المسلمين لا يقدرون عليهم في ذلك الوقت، إلا أن حصار أبي عبيدة للمدينة استمر أربعة أشهر كاملة، وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالا شديدا.
ويصف الطبري الوضع في كتابه قائلا : (فلما وجد الروم أن أبا عبيدة غير مقلع عنهم ولم يجدوا لهم طاقة بحربه وحصاره قالوا له نصالحك على مثل ما صالح عليه مدن الشام من أداء الجزية والخراج، على أن يكن تسليم المدينة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .. فقبل أبو عبيدة ذلك).
كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب قائلا : (بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبي عبيدة بن الجراح سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد، فإن أقمنا على أهل إيلياء، فظنوا أن لهم في مطاولتهم فرجًا فلم يزدهم الله إلا ضيقًا ونقصًا وهزالاً وذلاً، فلما رأوا ذلك سألوا أن يقدم عليهم أمير المؤمنين فيكون هو الموثوق لهم والكاتب. فخشينا أن يقدم أمير المؤمنين فيغدر القوم ويرجعوا فيكون مسيرك ـ أصلحك الله ـ عناءً وفضلاً، فأخذنا عليهم المواثيق المغلظة بأيمانهم ليبقلن وليؤدن الجزية، وليدخلن فيما دخل فيه أهل الذمة، ففعلوا فإن رأيت أن تقدم فافعل، فإن في سيرك أدرًا وصلاحًا، أتاك الله رشدك ويسر أمرك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

دعا عمر كبار المسلمين إليه، وقرأ عليهم كتاب ابي عبيدة، فقال عثمان بن عفان (إن الله قد أذل الروم، وأخرجهم من الشام، ونصر المسلمين عليهم، وقد حاصر أصحابنا مدينة إيلياء وضيقوا عليهم .. فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف ولقتالهم مستحقر، فلا يلبثون إلا اليسير حتى ينزلوا على الصغار ويعطون الجزية.
وقال علي بن أبي طالب (عندي غير هذا الرأي وأنا أبديه لك، فقال عمر وما هو يا أبا الحسن ؟ فرد علي قائلا : إن القوم قد سألوك، وفي سؤالهم ذلك فتح للمسلمين، وقد أصاب المسلمين جهد عظيم من البرد والقتال وطول المقام، وإني أرى إن سرت إليهم فتح الله هذه المدينة على يديك. فخرج عمر من المدينة قاصدا بيت المقدس بعد أن استخلف على المدينة علي بن أبي طالب.
فكان أول عمل قام به الخليفة عمر بن الخطاب لدى وصوله إلى بيت المقدس هو أن أعطى أهلها العهد التاريخي المعروف بالعهدة العمرية.
العهدة العمرية:
اختلفت الروايات التاريخية حول من أعطى الأمان من جانب المسلمين لأهل إيلياء (القدس)وحول من قام من أهل إيلياء بأخذ الأمان، ثم تختلف بعد ذلك في مضمون العهد وشروط الأمان. فقد قيل أن العهد أعطي على يد القادة المسلمين في بلاد الشام، وقيل أنه كان على يد الخليفة عمر بن الخطاب كما ذكر الطبري في كتابه عن خالد وعبادة قالا : صالح عمر أهل إيلياء بالجابية (وهي منطقة بالشام) وكتب لهم فيها الصلح، ومن ثم فتحوها له. لكن ما تجمع عليه غالبية المصادر التاريخية أن الذي أعطى الأمان وكتبه لهم هو الخليفة عمر بن الخطاب بنفسه، وأشهد عليه قادة المسلمين.

أما من قام بأخذ الأمان من أهل إيلياء، فقد قيل أنه البطريرك صفرونيوس وذلك كما ذكر الواقدي في كتابه (حينما بلغ عمر سور المدينة مد البطريرك عنقه ونظر إليه وقال: هذا والله الذي صفته ونعته في كتبنا، حينئذ خرج البطريرك يتبعه الأساقفة والقسيسين والرهبان إلى حيث يقف الخليفة عمر، فخف عمر للقائهم وقد حياهم بالسلام ثم تحدثوا في شروط التسليم، وكتب لهم وثيقة الأمان. وقيل أن الذي تولى مصالحة المسلمين هم العامة من أهل إيلياء، في حين يقول اليعقوبي (والمجمع عليه النصارى).

أما بخصوص العهد فقد اختلف العديد من المؤرخين في نص الوثيقة، فاليعقوبي يقدم نصا للوثيقة جاء فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب كتبه عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس، إنكم آمنون على دمائكم وأموالكم، وكنائسكم لا تسكن ولا تخرب، إلا أن تحدثوا حدثا عاما). وأشهدوا شهودا عليها.

أما ابن البطريق فقد جاء نص العهد على النحو التالي (إني قد أمنتكم على دمائكم وأموالكم وذراريكم وصلاتكم وبيعكم ولا تكلفوا فوق طاقتكم .. ومن أراد أن يلحق لأمنه فله الأمان وأن عليكم الخراج كما على مدائن فلسطين.).
لكن ما أورده الطبري في كتابه فقد جاء بشكل مفصل، وقد أجمع عليه كثير من المؤرخين وهو على النحو التالي :
(بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من المان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم. ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن إيلياء معهم أحد من اليهود.
وعلى أهل إيلياء أن يعطو الجزية كما يعطى أهل المدائن. وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم. ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية).
كتب وحضر سنة 15هـ،، وشهد على ذلك:
خالد بن الوليد
وعبدالرحمن بن عوف
وعمرو بن العاص
ومعاوية بن أبي سفيان

وبعد أن تم لعمر بن الخطاب فتح بيت المقدس، أول عمل قام به هو زيارة كنيسة القيامة وفي أثناء الزيارة حان وقت الصلاة، فاشار عليه البطريرك صفرونيوس أن يصلي في داخلها : قائلا مكانك صل، لكن عمر أبى وخرج من الكنيسة وصلى في مكان قريب منها لجهة الجنوب، وبعد أن أتم صلاته قال للبطريرك : (آذن لي أيها الشيخ، أنني لو أقمت الصلاة في كنيسة القيامة لوضع المسلمون عليها الأيدي من بعدي في حجة إقامة الصلاة فيها، وإني لأبى أن أمهد السبيل لحرمانكم منها وأنتم لها أحق وأولى)، ثم طلب من البطريرك أن يريه مكان الهيكل، فوجد المكان مهجورا إلا من بعض الآثار البالية لمبان قديمة يرجع عهدها إلى أزمنة بعيدة، ولم يكن هناك أي نواع من أنواع البناء وإنما كان المكان مغطى بالأقذار لأنهم كانوا قد اتخذوا موضعا لجمع قمامات المدينة، فأخذ عمر يعمل على رفعها من مكانها ويلقيها في الأودية ثم اقتدى به قادة المسلمين ورؤساء الجند حتى طهروا المكان، ثم خط بها محرابا من جهة الشرق وهو موضع مسجده فتقدم وصلى هو وصحبه.

مسجد عمر(15هـ / 636م):
بعد أن من الله على المسلمين بفتح بيت المقدس وبسط السيادة الفعلية على المدينة، شرع الخليفة عمر ببناء أول مسجد في المدينة عرف بالتاريخ باسم مسجد عمر.
هناك خلاف بين المؤرخين في تحديد الموقع الذي بنى عليه المسجد في ساحة الحرم القدسي. فقد ذكرت بعض الروايات أنه بني في موقع الصخرة أو قريبا منه، لكن معظم الدلائل تشير إلى أنه بني في موقع المسجد الأقصى الحالي.
فقد قال المؤرخ كلير مونت جانو (أن المسجد الذي بناه عمر كان في نفس الموضع الذي يقوم عليه المسجد الأقصى في يومنا هذا.
كما قال الأستاذ كرزويل ( أن المسجد الأقصى قد بناه عبدالملك بن مروان مكان مسجد الخليفة عمر).
كما وصلت من القرن الأول للهجرة رواية شاهد عيان وصف المسجد باقتضاب وهو المطران أركولفوس الذي زار القدس في عهد خلافة معاوية بن أبي سفيان سنة 51هـ / 670م وقال إن المسجد كان مبنيًا من ألواح الخشب وجذوع الأشجار وكان بناؤه بسيطا ومربع الشكل ويتسع لثلاثة آلاف من المصلين.
ولما كانت المساجد في صدر الإسلام تبنى من الخشب واللبن ومن بعض المواد الأخرى التي لا تتحمل البقاء كثيرًا لذلك لم يبق أي أثر للمسجد الذي بناه الخليفة عمر، وقد زالت معالمه تماما منذ القرن الأول للهجرة.
وهكذا بدخول الإسلام والمسلمين لمدينة القدس تغير الطابع الحضاري للمدينة بشيوع العقيدة الإسلامية واللغة العربية فيها، وحل السلام والأمن محل الفوضى والإرهاب، ويذكر الواقدي في كتابه فتوح الشام أن المدة التي اقام بها عمر بن الخطاب في بيت المقدس كانت عشرة أيام.ودخل ساحة الحرم القدسي الشريف، وكانت أرضا مهجورة لا أثر فيها لعبادة، بل حولها الروم إلى مزبلة، نكاية في اليهود الذين تعاونوا مع الفرس حين احتلوا فلسطين، فراح أمير المؤمنين ينظف المكان بثوبه، ويكنس ما فيه بيده، وأمر بإقامة مسجد بسيط هناك، جدده من أمراء المسلمين فيما بعد، وهو ما نطلق عليه الآن اسم (المسجد الأقصى) وهو جزء من الحرم القدسي الشريف.

عمرو بن العاص وجيشه والصراع على القدس
دائمًا ينسب فتح بيت المقدس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب( رضي الله عنه )، ويُنسى أشخاص آخرون كان لهم دور كبير في هذا الفتح، وحق لعمر أن ينسب الفتح إليه، فهو الأمير الذي كان يحشد الجيوش للقتال، ويختار لها القادة والجهات التي سيتوجهون إليها، ويناقشهم في خطط الحرب وتدابيرها، كما أنه قدم من مدينة رسول الله إلى بيت المقدس وتسلم مفاتيح المدينة المباركة.
لكن ذلك لا يلغي أدوار عظماء آخرين شاركوا في هذا الفتح مباشرة، وأدت جهودهم العسكرية الجبارة إلى اندحار الروم، واضطرار أهل بيت المقدس إلى التسليم للمسلمين، وعلى رأس هؤلاء العظماء: عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ الذي أمره أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ على الجيش المكلف بفتح فلسطين ..
خرج عمرو من المدينة ومعه ثلاثة آلاف جندي، فيهم كثير من المهاجرين والأنصار، وظل أبو بكر يتبعه بالقوات حتى بلغوا سبعة آلاف وخمسمائة جندي. كما أمره الخليفة على من يتطوع معه من قبائل بلى وعذره وسائر قضاعة وما جاورها. وسلك عمرو بجيشه طريق المعرفة، مارا على أيلة، ثم إلى فلسطين ـ بعد أن ودعه الخليفة وأوصاه.
وفي اليرموك (سنة 13 هـ، أو سنة 15هـ، على خلاف بين المؤرخين) كان عمرو بقواته أحد الأضلاع المهمة التي قاتلت الروم حتى النصر، وهو الذي بشر المسلمين بهذه النتيجة من أول المعركة، حيث نزل الرومان في مكان ضيق يسمى (الواقوصة) علىضفة نهر اليرموك، واتخذوا وادي النهر ـ وهو معبر صعب بين جبلين ـ خندقا يحتمون به، فقال عمرو بن العاص : (أبشروا أيها الناس، قد حصرت ـ والله ـ الروم، وقلما جاء محصور بخير).
كذلك عاون جيش عمرو إخوانهم في جيش شرحبيل بن حسنة في فتح بيسان ـ وكانت ضمن فتوح الأردن ـ لتحرير البشرية من تسلط القياصرة.
وفي معركة أجنادين (بلدة وبيت جبرين من أرض فلسطين) قاد عمرو بن العاص جموع المسلمين حتى انتصروا، بعد أن ذهب بنفسه إلى الأرطبون ـ قائد الروم ـ متنكرا في صورة رسول .. روى الطبري قائلا : (نزل عمرو وشرحبيل على أهل بيسان، فافتتحاها وصالحا أهل الأردن، واجتمع عسكر الروم بغزة وأجنادين وبيسان، وسار عمرو وشرحبيل إلى الأرطبون ومن معه وهو بأجنادين، واستخلف على الأردن أبا الأعور، فنزل بالأرطبون ومعه الروم، وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها غورا وأنكاها فعلا .. وتتابت الأمداد من عند عمر إلى عمرو.
وبعد أن يروي قصة ذهاب عمرو بنفسه متخفيا كرسول إلى الأرطبون، لمعرفة تحصيناته وسماع كلامه بنفسه، وخداعه له بذكاء وفطنة ـ يقول الطبري في روايته : (فخرج عمرو من عنده، ورأى أن لا يعود لمثلها، وعلم الرومي أنها خدعة اختدعه بها، فقال : خدعني الرجل، هذا أدهى الخلف! وبلغت خديعته عمر بن الخطاب فقال : لله در عمرو !! وعرف عمرو مأخذه فلقيه، فاقتتلوا بأدجنادين قتالا شديدا كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم، وانهزم أرطبون إلى إيلياء (القدس)، ونزل عمرو أجنادين، وأفرج المسلمون الذين يحاصرون بيت المقدس لأرطبون، فدخل إيلياء ..
وهناك شعر للصحابي زياد بن حنظلة ـ رضي الله عنه ـ في ذلك حيث يقول :
ونحن تركنا أرطبون مطردا      
إلى المسجد الأقصى وفيه حسور
عشية أجنادين لما تتابعوا         
وقامت عليهم بالعراء نسور
عطفنا له تحت العجاج بطعنة    
 لها نشج نائي الشهيق غزير
فطمنا به الروم العريضة بعده     
عن الشام أدنى ما هناك شطير
تولت جموع الروم تتبع إثره       
تكاد من الذعر الشديد تطير
وغودر صرعى في المكر كثيرة  
وعاد إليه الفل وهو حسير

مهما يكن، فإن سنة 15هـ لم تأت إلا وقد أصبحت كفة القوات الإسلامية في فلسطين راجحة، حيث انكسر الجانب الأعظم من قوات الأمير الرومي لفلسطين (الأرطبون) وأصبح الفريقان يستعدان لجولة أخرى ساخنة حول (إيلياء) القدس.

الصراع على القدس:
في معركة أجنادين حشد الروم في القدس والرملة حشودا عسكرية كبيرة، لحماية هذين الموضعين المهمين، وفتح جبهات قتالية عدة يتشتت المسلمون بينها. وأدرك المسلمون خطورة هذا عليهم، فأرسل عمرو بن العاص قوات تشغل روم إيلياء(القدس) عن المشاركة في الحرب، وقوات أخرى إلى الرملة لنفس الهدف، كما شاغل معاوية بن أبي سفيان روم قيسارية عن مساندة الأرطبون. ونجحت هذه الخطة في حماية ظهور المسلمين، ومنع الإمدادات عن الأرطبون وقواته الكبيرة أصلا، فجاء النصر المبين للمسلمين ..

وبعد أجنادين اتجهت الأنظار إلى بيت المقدس مباشرة، لكن عمرو بن العاص لم يشأ أن يتجه إليها إلا بعد أن يفتح ما حولها من المدن أولا. ولعله أراد بذلك أن يهزم الروم في جهات فلسطين الأخرى، حتى تكون هناك معركة فاصلة واحدة، بدلا من أن تكثر الجيوب التي تتجمع فيها فلول المهزومين، وتكلف المسلمين كثيرا.

كذلك كسب عمرو بهذا التمهيد لفتح القدس والرملة، أنه جعل الروم فيهما كأنهم في جزر منعزلة، لا تجد من يعينها بجند، أو يمدها بسلاح.

افتتح جيش عمرو ـ في هذا التمهيد ـ مدنا كثيرة، منها : يافا ورفح وغزة وسبسطية ونابلس ولد وتبنى وعمواس وبيت جبرين ومرج عيون..

وجاء الدور على الجولة الساخنة حول القدسن وقد انفسح المجال أمام المسلمين، وسيطروا على أكثر فلسطين، ودانت لهم سوريا، وضاقت السبل أمام الروم، وانحصروا في الرملة وبيت المقدس، كما ضاق أهل القدس (ذوو الأصول العربية القديمة مع خليط من الروم واليونانيين) ـ ضاقوا بأمر الحرب، فراسلوا المسلمين على أن يأتي أمير المؤمنين عمر بنفسه لتسلم بيت المقدس.
القدس في عهد عثمان وعلي:
تولى عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ الخلافة في الأيام الأولى من سنة 24 للهجرة، وثبت معاوية بن أبي سفيان في ولايته بالام، فظلت القدس تحت إدارة معاوية طوال عهد أمير المؤمنين عثمان.
ولم يتأكد وجود أعمال محددة لعثمان في القدس، غير أن المقدسي ـ الجغرافي الشهير ـ قال عن (سلوان) : هي (محلة في ربض مدينة بيت المقدس، تحتها عين عذبة، تسقى جنانا عظيمة وقفها عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ على ضعفاء البلد، تحتها بئر أيوب).
ومع أن المقدسي يورد كلامه السابق بطريقة توحي بالوجود الفعلي لهذه (الجنان) في عهده، إلا أن ياقوت الحموي يقول : (ليس من هذا الوصف اليوم شيء، لأن عين سلوان محلة في وادي جهنم في ظاهر البيت المقدس لا عمارة عندها ألبتة، إلا أن يكون مسجدا أو ما يشابهه، وليس هناك جنان ولا ربض، ولعل هذا كان قديما، والله أعلم).
ووجود مثل هذه الحدائق ليس مستبعدا، وخاصة أن المقدسي ـ كما يسجل ياقوت نفسه : (أعرف ببلده، وإن كان قد تغير بعد بعض معالمها).
وأما علي بن أبي طالب، فلم يتيسر له أن يحكم الشام في خلافته، للنزاع الشهير بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، الذي كان أميرا على الشام منذ زمن طويل، ولا ندري صحة هذا القول المنسوب إلى علي ـ رضي الله عنه ـ (نعم المسكن عند ظهر الفتن بيت المقدس، القائم فيه كالمجاهد في سبيل الله، وليأتين على الناس زمان يقول أحدهم : ليتني تبنة في لبنة من لبنات بيت المقدس. أحب الشام إلى الله تعالى بيت المقدس، وأحب جبالها إليه الصخرة، وهي آخر الأرض خرابا بأربعين عاما).
ولعل أبا عمرو الشيباني (توفي 94هـ تقريبا وهو ابن 120 سنة) لاحظ تقلب الأحوال منذ عهد أمير المؤمنين على إلى أيام عبدالملك بن مروان، وعدم اجتماع المسجد الحرام والمسجد الأقصى في يد أمير واحد، فأطلق هذه العبارة القاسية : (ليس يعد من الخلفاء إلا من ملك المسجدين : المسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس الشريف).

صحابة في بيت المقدس
كان الصحابة – رضي الله عنهم – زينة الجيوش الفاتحة أيام أبي بكر وعمر وعثمان، وقد حرص القادة على احترامهم وتكريمهم، واهتموا بوجودهم ضمن قواتهم، فقد كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو بالعراق أن يخرج في نصف جيشه إلى الشام، وأن يخلّف على النصف الباقي المثنى بن حارثة، وقال أبو بكر لخالد: لا تأخذن نجدا (أي شجاعا مقداما) إلا خلّفت له نجدا، فإذا فتح الله عليكم فارددهم إلى العراق وأنت معهم، ثم أنت على عملك”. وأحضر خالد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم )  وأخذهم لنفسه، وترك للمثنى أعدادهم من أهل الشجاعة ممن لم يكن له صحبة، ثم قسم الجند نصفين، فقال المثنى: “والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر كله في استصحاب نصف  الصحابة أو بعض النصف، وبالله ما أرجو النصر إلا بهم، فأنى تعريني منهم”!! فلما رأى خالد ذلك بعدما تلكأ عليه عوَّضه منهم حتى رضي.
وقد سعدت القدس بصلة بعض الصحابة بها، وسعدوا هم كذلك بهذه الصلة، فمنهم من كان في صفوف جيش عمرو الذي حاصرها، ومنهم من رافق أمير المؤمنين عمر حين دخلها فاتحا، ومنهم من شهد على كتاب الصلح الذي كتبه عمر بين المسلمين وبين أهل بيت المقدس، ومنهم من زارها وأهلّ بالعمرة والحج منها، ومنهم من أقام ومات ودُفن في ثراها..
لكن أشهر الصحابة صلة بالقدس، وأكثرهم تأثيرا في تاريخها هم:
 عمر بن الخطاب (ت 23هـ) الذي فُتح أكثر الشام في خلافته، وتسلم مفاتيح القدس بنفسه، تبعا لرغبة أهلها الذين رأوه مثالا للعدل والإنصاف.
 ثم أبو عبيدة عامر بن الجراح (ت 18هـ) القائد العام لجيوش الشام الفاتحة، وأحد المرافقين لأمير المؤمنين عند مصالحة أهل بيت المقدس، وفي رواية الواقدي أن أبا عبيدة هو الذي حاصر الروم في القدس وراسلوه في الصلح.
 ثم عمرو بن العاص (ت 43هـ) فاتح فلسطين وبطل أجنادين، حاصر الروم في بيت المقدس حتى استسلموا، وشهد الفتح مع عمر، وكان أحد الشهود على كتاب الصلح.
ومن الصحابة الذين كانت لهم صلة ببيت المقدس كذلك:
 خالد بن الوليد (ت 21هـ) مكّنت أعماله الحربية للمسلمين في فلسطين وسوريا والأردن، وحضر فتح بيت المقدس مع عمر، وشهد على كتاب الصلح.
 ثم معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ) شارك في بعض فتوح فلسطين كقائد صغير (فتح قيسارية وعسقلان)، ودخل القدس في دخلة عمر إليها، وشهد على كتاب الصلح الذي أمضاه أمير المؤمنين للمقدسيين – وستأتي أشياء أخرى عنه.
 وعبد الرحمن بن عوف (ت 32هـ) كان موضع ثقة عمر، وصحبه في فتح بيت المقدس، وشهد على كتاب الصلح مع أهلها.
وهناك من الصحابة من أهلّ بالحج والعمرة من بيت المقدس، مثل: سعد بن أبي وقاص (ت 55هـ)، وعبد الله بن عباس (ت 68هـ)، وعبد الله بن عمر (ت 73هـ)، الذي يُروَى عنه أيضا أنه قال: “لولا أن معاوية بالشام لسرني أن آتي بيت المقدس فأُهلّ منه بعمرة، ولكن أكره أن آتي الشام فلا آتيه فيجد علي، أو آتيه فيراني تعرضت لما في يديه”.
ومنهم من أقام بها حتى مات ودُفن في ترابها، والمشهور هنا صحابيان هما:
1 – عبادة بن الصامت (ت 34هـ): أول من ولي قضاء فلسطين من الصحابة، عاش في بيت المقدس، والمشهور أنه مات بها ودفن في ثراها، وكان له قبر معروف هناك، إلا أنه صار مجهولا بسبب احتلال الصليبيين للقدس حوالي تسعين عاما.
2 – شداد بن أوس الأنصاري (ت 58هـ): سكن بيت المقدس ودُفن فيها، وكان له عقب هناك، ويُروى أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال له: “ألا إن الشام ستُفتح، وبيت المقدس سيُفتح – إن شاء الله تعالى – وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة بها – إن شاء الله”. وسجل مجير الدين الحنبلي (ت 927هـ) أن “قبره ظاهر ببيت المقدس يُزار في مقبرة باب الرحمة تحت سور المسجد الأقصى”.
وهناك صحابة كثيرون لهم صلة ببيت المقدس، لكنّ مَن سبق ذكرهم هم الأشهر في هذا المجال.







كانت الشام مركز المؤيدين للسياسة الأموية، فقد طالت الصلة بين أهل الشام وبين معاوية بن أبي سفيان – رأس دولة بني أمية – ورأوا فيه سياسيا وقائدا ماهرا، واختار الأمويون عاصمتهم في قلب الشام (دمشق)، وأولوا الشام ومدنها وأهلها اهتماما خاصا.
ولعل هذا ما دفع بعض رواة التاريخ إلى أن يزعم أن عبد الملك بن مروان أراد من بناء مسجد قبة الصخرة صرفَ الناس عن المسجد الحرام!! ومعنى هذا أن سياسة الأمويين تجاه القدس جعلتهم يستغلونها استغلالا سياسيا لتأكيد شرعية حكمهم، ولكن هذا لم يثبت بهذه الصورة، وإن ثبت بصور أخرى ستأتي.
لقد تحكم عاملان كبيران في سياسة بني أمية نحو القدس، وهما: مكانة المدينة ومسجدِها المبارك، ثم قربها من دمشق مركز الدولة الأموية وعاصمتها.
بدأ معاوية بن أبي سفيان بأخذ البيعة من الناس على الخلافة في بيت المقدس، ولعله أراد بأخذها هناك أن يؤكد شرعية هذه البيعة، حيث يأخذها في مكان طاهر مبارك، وسار على هذه الخطوة خليفتان آخران من بني أمية وهما: الوليد بن عبد الملك وأخوه سليمان.
وإذا كان عبد الملك بن مروان وابنه الوليد قد منحا الحرم القدسي اهتماما خاصا، وشيدا المسجدين المباركين: مسجد قبة الصخرة، والمسجد الأقصى الذي بناه عمر بن الخطاب قبلهما – فإن سليمان بن عبد الملك مكث زمنا أميرا على فلسطين، وكان يحب الجلوس تحت قبة السلسلة بأرض الحرم القدسي الشريف، ولم يكتف بأخذ البيعة من الناس على سطح صخرة بيت المقدس والناسُ من حوله، والمال الوفير وكُتّاب الدواوين إلى جانبه، بل كاد أن يتخذ مدينة القدس أو الرملة عاصمة لمُلكه، ولعله استحضر في ذلك صورة النبي الكريم سليمان بن داود – عليهما السلام – ولكن يبدو أن سرعة موته (سنة 98هـ) قد حالت دون ذلك.
إن وصف مدينة القدس في زمان بني أمية يكشف عن اهتمامهم بها وبأسوارها وبناياتها، فقد “كان للقدس يومئذ سور، وكان على ذلك السور أربعة وثمانون برجًا، وله ستة أبواب، ثلاثة منها فقط يدخل الناس منها ويخرجون: واحد غربي المدينة، والثاني شرقيها، والثالث في الشمال.
“وكان يؤم المدينة في اليوم الخامس عشر من شهر أيلول (سبتمبر) من كل سنة، جماهير غفيرة من مختلف الأجناس والأديان بقصد التجارة، ويقضي هؤلاء فيها بضعة أيام.
“وكان فيها مسجد مربع الأضلاع، بُني من حجارة وأعمدة ضخمة نقلت من الأطلال المجاورة. وهو يتسع لثلاثة آلاف من المصلين…
“وكان جبل الزيتون مغطى بأشجار العنب والزيتون. وكان سكان بيت المقدس يومئذ يأتون بالأخشاب التي يحتاجون إليها من أجل البناء والوقود، تنقل على الجمال من غابة كثيفة واقعة على بعد ثلاثة أميال من الخليل إلى الشمال”.

بناء المسجدين بالحرم القدسي الشريف

لعل بناء مسجد قبة الصخرة وتجديد بناء مسجد عمر بن الخطاب في الحرم القدسي (ما نسميه اليوم: المسجد الأقصى) – من أهم مآثر بني أمية في بيت المقدس وأخلدها، فقد بقي هذان الأثران على مدى الزمن قريبين من الصورة التي بناهما عليها الوليد بن عبد الملك وابنه الوليد، بل لم يبلغا في الفخامة والأبهة مثلما كانا عليه في زمنهما الأول – كما هو ظاهر من الوصف التاريخي المحفوظ في المصادر الإسلامية.
والمؤرخون المسلمون يروون قصة البناء هكذا:
“لما أراد عبد الملك عمارة بيت المقدس وجه إليه بالأموال والعمال، ووكل بالعمل رجاء بن حَيْوَةَ ويزيد بن سلام مولاه، وجمع الصنَّاع من أطراف البلاد، وأرسلهم إلى بيت المقدس، وأرسل إليه بالأموال الجزيلة الكثيرة، وأمر رجاء بن حيوة ويزيد أن يفرغا الأموال إفراغا، ولا يتوقفا فيه، فبثوا النفقات، وأكثروا، فبنوا القبة فجاءت من أحسن البناء، وفرشاها بالرخام الملون، وعملا للقبة جلالين (أي غطاءين): أحدهما من اليود الأحمر للشتاء، وآخر من أدم للصيف، وحفا القبة بأنواع الستور، وأقاما لها سدنة وخداما بأنواع الطيب والمسك والعنبر والماورد والزعفران..
وكانوا “يبخرون القبة والمسجد من الليل، وجعل فيها من قناديل الذهب والفضة والسلاسل الذهب والفضة شيئا كثيرا، وجعل فيها العود القمارى المغلف بالمسك، وفرشاها والمسجدَ بأنواع البسط الملونة، وكانوا إذا أطلقوا البَخور شُمَّ من مسافة بعيدة، وكان إذا رجع الرجل من بيت المقدس إلى بلاده توجد منه رائحة المسك والطيب والبخور أيامًا، ويُعرَف أنه قد أقبل من بيت المقدس، وأنه دخل الصخرة.
“وكان فيه من السدنة والقوم القائمين بأمره خلق كثير، ولم يكن يومئذ على وجه الأرض بناء أحسن ولا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس، حتى إن الناس التهوا بها عن الكعبة والحج.. وافتتن الناس بذلك افتتانا عظيما، وأتوه من كل مكان..
“ولما فرغ رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام من عمارتها على أكمل الوجوه، فَضَل من المال الذي أنفقاه على ذلك ستمائة ألف مثقال، وقيل ثلاثمائة ألف مثقال، فكتبا إلى عبد الملك يخبرانه بذلك، فكتب إليهما: قد وهبته لكما، فكتبا إليه: إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد من حليّ نسائنا! فكتب إليهما: إذ أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على القبة والأبواب. فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها من الذهب القديم والحديث”.
“ولما أُكمل البناء كُتب على القبة مما يلي الباب القبلي: أمر ببنائه بعد تشعيثه أمير المؤمنين عبد الملك سنة اثنتين وستين من الهجرة النبوية.
“وكان طول المسجد من القبلة إلى الشمال سبعمائة وخمسة وستون ذراعا وعرضه أربعمائة وستون ذراعا”.
وقد ابتدأ مشروع عبد الملك العظيم سنة 66 للهجرة؛ أي قبل وفاته بعشر سنين، وتم بناء القبة على الهيئة التي ورد ذكرها آنفا سنة 72هـ، بعد أن أنفق عليها خراج مصر (أي ميزانيتها) لسبع سنين.
والمستشرقون يكررون مرارًا أن البنائين البيزنطيين وتلاميذهم من سريان الشام هم الذين شيدوا قبة الصخرة، يستبعدون بذلك أن تكون للمسلمين في هذا الوقت المبكر أي قدرة على الإبداع المعماري.. ومما لا شك فيه أن المسلمين وهم يبنون قبة الصخرة تأثروا بفنون الأمم السابقة عليهم، خاصة البيزنطيين، واستفادوا من الخبرات القريبة منهم في هذا المجال، ولكنهم أبدعوا شيئا فيه جِدَّة، فلم يكونوا مقلدين تماما، وأنتجوا بناء لم يكن له في الدنيا مثيل في هذا الوقت – كما يؤكد المؤرخون المسلمون في وصفهم له.
وعلى الرغم من أن اهتمام عبد الملك بتجديد مسجد عمر المقام في أرض الحرم القدسي (المسجد الأقصى الحالي) لم يصل إلى مستوى اهتمامه بمسجد قبة الصخرة – فإنه بنى مسجد عمر بناء بديعا، وأتم البناء ابنه الوليد من بعده، “وكان فيه (أي في الحرم كله بمسجديه) في ذلك الوقت من الخشب المسقف – سوى أعمدة خشب – ستة آلاف خشبة، وفيه من الأبواب خمسون بابا.. منها: باب داود، وباب سليمان، وباب حطة، وباب محمد – عليه الصلاة والسلام – وباب التوبة.. وباب الرحمة، وأبواب الأسباط ستة أبواب، وباب الوليد، وباب الهاشمي، وباب الخضر، وباب السكينة.
“وكان فيه من العمد ستمائة عمود من رخام، وفيه من المحاريب سبعة، ومن السلاسل للقناديل أربعمائة سلسلة إلا خمسة عشر، منها مائتا سلسلة وثلاثون سلسلة في المسجد الأقصى، والباقي في قبة الصخرة الشريفة، وذرع السلاسل (أي طولها) أربعة آلاف ذراع، ووزنها ثلاثة وأربعون ألف رطل بالشامي.
“وفيه من القناديل خمسة آلاف قنديل. وكان يُسرَج مع القناديل ألفا شمعة في ليلة الجمعة وفي ليلة النصف من رجب وشعبان ورمضان، وفي ليلتي العيد.
“وفيه من القباب خمس عشرة  قبة سوى قبة الصخرة. وعلى سطح المسجد من شقف الرصاص سبعة آلاف شقفة وسبعمائة، ووزن الشقفة سبعون رطلا بالشامي، غير الذي على قبة الصخرة.
وبعد أن يصف مؤرخونا ما رُتِّب للمسجد من الخدم، يقولون: “وفيه من الصهاريج أربعة وعشرون صهريجًا كبيرًا. وفيه من المنابر أربعة: ثلاثة منها صف واحد غربيَّ المسجد، وواحد على باب الأسباط”.
وقد استعمل الأمويون بعض ساكني القدس من اليهود والنصارى لخدمة المسجد (الحرم)، فكان فيهم عشرة من اليهود لكنس ما يصيب المسجد “في المواسم والشتاء والصيف ولكنس المطاهر التي حول الجامع”، كما كان فيهم عشرة من النصارى “لعمل الحصر، ولكنس حصر المسجد، وكنس القناة التي يجري فيها الماء إلى الصهاريج، وكنس الصهاريج أيضا”.
ويروى أن بعض اليهود كانوا يتولون إضاءة مسجد بيت المقدس، فلما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة (سنة 99هـ) أخرجهم. ويبدو أن الخليفة العادل فعل ذلك مراعاة للعهد الذي أبرمه جده عمر بن الخطاب مع أهل القدس ألا يسمح لليهود بالإقامة فيها.


محمد أبو مليح *





1 ـ أبو جعفر المنصور : تولى الخلافة في الفترة (136هـ / 754م ـ 158هـ / 775م).
2 ـ المهدي بن المنصور : تولى الخلافة في الفترة (158هـ /775م ـ 169هـ / 785م).
3 ـ المأمون بن المهدي : تولى الخلافة في الفترة (198هـ / 813م / 218هـ / 833م)
بعد نجاح العباسيين في انتزاع الحكم من الأمويين سنة 132هـ / 750م، اتخذوا مدينة بغداد عاصمة لخلافتهم، ومنذ ذلك التاريخ خضعت فلسطين لحكمهم ومن ضمنها مدينة بيت المقدس.
لكن بدايات الحكم العباسي في جنوب بلاد الشام اتسمت بالإرهاب تجاه زعماء الأمويين، والتي تولاها عبد الله أبو العباس بنفسه، وذلك بهدف استئصال البيت الأموي وأهله وأنصاره لئلا يظهر منهم أي مطالب للحكم فيما بعد، فظل أهل هذه البلاد يكرهون الحكم الجديد ويعادونه.
وهكذا بعد أن كانت منطقة جنوب الشام تعتبر الإقليم الأول في العهد الأموي والأكثر حظوة ورعاية لم تعد كذلك في عهد العباسيين، إذ لم تخسر مركزها وأهميتها فحسب بل صارت ولاية ثانوية ويشك العباسيون في ولائها، ولهذا لم يعطوا حكمها إلا لأمراء البيت العباسي، وغالبا ما كان يضاف حكم فلسطين ومن ضمنها بيت المقدس والأردن إلى دمشق أو إلى مصر.
ولكن على الرغم من الموقف المتشدد، إلا أن بعض خلفائهم عملوا على إيلاء مدينة القدس وما تحتويه من مقدسات عناية خاصة دون غيرها من المدن الشامية، وهؤلاء الخلفاء هم :
بعد نجاح العباسيين في انتزاع الحكم من الأمويين سنة 132هـ / 750م، اتخذوا مدينة بغداد عاصمة لخلافتهم، ومنذ ذلك التاريخ خضعت فلسطين لحكمهم ومن ضمنها مدينة بيت المقدس.
لكن بدايات الحكم العباسي في جنوب بلاد الشام اتسمت بالإرهاب تجاه زعماء الأمويين، والتي تولاها عبد الله أبو العباس بنفسه، وذلك بهدف استئصال البيت الأموي وأهله وأنصاره لئلا يظهر منهم أي مطالب للحكم فيما بعد، فظل أهل هذه البلاد يكرهون الحكم الجديد ويعادونه.
وهكذا بعد أن كانت منطقة جنوب الشام تعتبر الإقليم الأول في العهد الأموي والأكثر حظوة ورعاية لم تعد كذلك في عهد العباسيين، إذ لم تخسر مركزها وأهميتها فحسب بل صارت ولاية ثانوية ويشك العباسيون في ولائها، ولهذا لم يعطوا حكمها إلا لأمراء البيت العباسي، وغالبا ما كان يضاف حكم فلسطين ومن ضمنها بيت المقدس والأردن إلى دمشق أو إلى مصر.
ولكن على الرغم من الموقف المتشدد، إلا أن بعض خلفائهم عملوا على إيلاء مدينة القدس وما تحتويه من مقدسات عناية خاصة دون غيرها من المدن الشامية، وهؤلاء الخلفاء هم :

1 ـ أبو جعفر المنصور : تولى الخلافة في الفترة (136هـ / 754م ـ 158هـ / 775م).

هو ثاني الخلفاء العباسيين وقد اهتم بمدينة بيت المقدس والحرم القدسي الشريف اهتمامًا بالغًا حيث قام بزيارة المدينة المقدسة مرتين إحداهما سنة 140هـ والثانية سنة 154هـ وذلك حسب ما ذكره المسعودي في كتابه (أنه في سنة إحدى وأربعين ومائة، شخص المنصور إلى بيت المقدس، فصلى فيه لنذر كان عليه وانصرف).
اهتم الخليفة أبو جعفر المنصور اهتمامًا خاصًا بتعمير المسجد الأقصى، خاصة بعد حدوث الزلزلة الأولى التي حدثت في عهده وهدمت بعض أقسامه. حيث يقول المقدسي: (وأما المسجد الأقصى فهو على قرنة البلد الشرقي نحو القبلة .. وقد بنى عليه عبد الملك بحجار صغار حسان وشرفوه وكان أحسن من جامع دمشق، ولكن جاءت زلزلة في دولة بني العباس، فطرحت المغطى إلا ما حول المحراب، فلما بلغ الخليفة خبره قيل له لا يفي برده إلى ما كان عليه بيت مال المسلمين، فكتب إلى أمراء الأطراف وسائر القواد أن يبني كل واحد منهم رواقا فبنوه أوثق وأغلظ صناعة مما كان).
في حين يذكر مجير الدين الحنبلي عن عبد الرحمن بن محمد .. أنه قال : (إن الأبواب كلها ملبسة بالصفائح الذهبية والفضية في خلافة عبد الملك بن مروان، فلما قدم أبو جعفر المنصور العباسي كان شرقي المسجد وغربيه قد وقعا، فقيل له: يا أمير المؤمنين قد وقع شرقي المسجد وغربيه من الرجفة في سنة ثلاثين ومائة ولو أمرت ببناء هذا المسجد وعمارته.
فقال: ما عندي شيء من المال، ثم أمر بقلع الصفائح الذهبية والفضية التي كانت على الأبواب فقلعت وضربت دنانير ودراهم وأنفقت عليه حتى فرغ).
وكان تاريخ إعادة تعمير المسجد الأقصى في عهد الخليفة المنصور سنة 154هـ /771م.

2 ـ المهدي بن المنصور : تولى الخلافة في الفترة (158هـ /775م ـ 169هـ / 785م).

عند تولى المهدي خلافة المسلمين وقع زلزال آخر في مدينة بيت المقدس أدى إلى تهدم بناء المسجد الأقصى الذي أقامه أبو جعفر المنصور، كما تسبب هذا الزلزال في انقطاع المصلين عن ارتياد المسجد للصلاة فيه لمدة طويلة، فأمر المهدي بإعادة بنائه، وقد ذكر الحنبلي ذلك في كتابه قائلا : (رث هذا المسجد وطال وخلا من الرجال، أنقصوا من طوله، وزيدوا من عرضه) فتم البناء في خلافته سنة 163هـ / 780م).
أما المقدسي فقد قال : (بنى المسجد هذه المرة بعناية فائقة وأنفقت عليه أموال طائلة، وكان البناء يتكون من رواق أوسط كبير يقوم على أعمدة من رخام، وتكتنفه من كل جانب سبعة أروقة موازية له وأقل منه ارتفاعا.
ومن جهة أخرى علق محمد كرد على ذلك في كتابه قائلا : (إن عمارة المسجد الأقصى قد ازدادت على عهد المهدي بما أدخله عليه من تحسينات، حيث أقام به قبة أخذت زينتها من الذهب والأحجار الكريمة الملونة. وقد قام المهدي بزيارة للمدينة المقدسة سنة 163هـ.

3 ـ المأمون بن المهدي : تولى الخلافة في الفترة (198هـ / 813م / 218هـ / 833م)

في عهده أصاب قبة الصخرة شيء من الخراب، فلما زار الخليفة المأمون بيت المقدس سنة 215هـ / 830م أمر بترميمها، فتم ذلك وانتهى سنة 216هـ / 831م، لكن الصناع أرادوا أن يتزلفوا له، فاستبدلوا اسم الخليفة عبد الملك بن مروان بكتابة اسمه على الفسيفساء الموجود على القبة، ولكنهم غفلوا عن تغيير السنة التي حدث فيها هذا الترميم.
ومن عمليات الترميم التي أجريت على قبة الصخرة في عهد العباسيين، هو ما أمرت به أم الخليفة المقتدر بالله حوالي سنة 301هـ / 913م بإصلاح قبة الصخرة وأمرت بتزويد كل باب من أبوابها بمدخل خشبي فخم. وفي ربيع سنة 216هـ / آيار 831م أمر الخليفة المأمون ببناء الأبواب الشرقية والشمالية للحرم القدسي الشريف. كما أجرى البطريرك في القدس في عهده بعض الإصلاحات في القبر المقدس.
ومن جهة أخرى علق محمد كرد على ذلك في كتابه قائلا : (إن عمارة المسجد الأقصى قد ازدادت على عهد المهدي بما أدخله عليه من تحسينات، حيث أقام به قبة أخذت زينتها من الذهب والأحجار الكريمة الملونة. وقد قام المهدي بزيارة للمدينة المقدسة سنة 163هـ.

3 ـ المأمون بن المهدي : تولى الخلافة في الفترة (198هـ / 813م / 218هـ / 833م)

في عهده أصاب قبة الصخرة شيء من الخراب، فلما زار الخليفة المأمون بيت المقدس سنة 215هـ / 830م أمر بترميمها، فتم ذلك وانتهى سنة 216هـ / 831م، لكن الصناع أرادوا أن يتزلفوا له، فاستبدلوا اسم الخليفة عبد الملك بن مروان بكتابة اسمه على الفسيفساء الموجود على القبة، ولكنهم غفلوا عن تغيير السنة التي حدث فيها هذا الترميم.
ومن عمليات الترميم التي أجريت على قبة الصخرة في عهد العباسيين، هو ما أمرت به أم الخليفة المقتدر بالله حوالي سنة 301هـ / 913م بإصلاح قبة الصخرة وأمرت بتزويد كل باب من أبوابها بمدخل خشبي فخم. وفي ربيع سنة 216هـ / آيار 831م أمر الخليفة المأمون ببناء الأبواب الشرقية والشمالية للحرم القدسي الشريف. كما أجرى البطريرك في القدس في عهده بعض الإصلاحات في القبر المقدس.
 عهده زار الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي بيت المقدس، كما زارها عدد كبير من العلماء وأهل الفضل، وبلغ العلم في عهده مبلغًا عظيمًا.
وما أن توفي الخليفة المأمون حتى أخذت حالات التمرد والثورات تشتعل ضد نظام الحكم في مناطق متعددة من الدولة العباسية المترامية الأطراف من أهمها جنوب بلاد الشام ومصر. وفي الوقت الذي كان مركز الخلافة في العراق يعاني من الفوضى العسكرية وضعف السلطة المركزية واضطراب الأوضاع الاقتصادية العامة، كانت منطقة جنوب بلاد الشام ومصر تدخل في عهد من النشاط الاقتصادي والقدرة السياسية التي تمثلت في ظهور أسر حاكمة محلية مستقلة كآل طولون ثم آل الإخشيد.

بيت المقدس العباسي : زلازل وزيارات وترميمات
ركزت سياسة العباسيين على أن تظل الدولة الإسلامية الكبيرة دولة واحدة، يحكمها خليفة واحد. ومع أنهم حتى منذ البداية لم ينجحوا في هذا تماما، إلا أن الشام أخذت من الخلفاء الأول للدولة العباسية اهتماما كبيرا.
ويبدو أن زيارة القدس حينئذ كانت قد صارت عملا معتادا عند العامة والخاصة، للمنزلة الخاصة لهذا البلد، والأبنية الرائعة التي أقامها الأمويون هناك، فكان الزائر يقصد بعمله أجر الصلاة في المسجد الأقصى أو الإهلال من عنده بحج وعمرة، وزيارة أبنية الأمويين الجميلة.
يحكي التاريخ أن الخليفة أبا جعفر المنصور خرج سنة مائة وأربعين حاجا إلى بيت الله الحرام، ثم توجه إلى المدينة بعدما أدى فريضة الحج، ومنها توجه إلى بيت المقدس، فصلى في مسجدها، وفي هذه الزيارة عاين المنصور الدمار الكبير الذي أصاب المسجد الأقصى، بسبب زلزال تعرضت له المنطقة سنة مائة وثلاثين، وتسبب في وفاة أولاد الصحابي شداد بن أوس (رضي الله عنه)، وأثر في بناء المسجد الأقصى وقبة الصخرة، في وقت كان الصراع فيه محتدما بين العباسيين والأمويين، ولم يكن هنالك من الاستقرار لما يسمح بترميم المسجد العظيم، فأمر المنصور بذلك بعد الزيارة والمشاهد، وحين وجد أن هذا المشروع يحتاج إلى نفقات كبيرة، أخذ ما على القبة والأبواب من ذهب، وسك منه نقودا أنفقها على عمارة المسجد. وكان المسجد طويلا فأمر أن ينقص من طوله، ويزاد في عرضه.
ووصف الرحالة المقدسي هذا الحدث بصورة أخرى، ونسب الزلزلة إلى زمن الدولة العباسية، فقال عن المسجد الأقصى: كان أحسن من جامع دمشق، لكن جاءت زلزلة في دولة بني العباس فطرحت المغطى إلا ما حول المحراب، فلما بلغ الخليفة خبره، قيل له: لا يفي برده ما ببيت مال المسلمين، فكتب إلى أمراء الأطراف وسائر القواد أن يبني كل واحد منهم رواقا، فبنوه أوثق وأغلظ صناعة مما كان، وبقيت تلك القطعة شامة فيه (أي التي لم تهدم)، وهي إلى حد أعمدة الرخام، وما كان من الأساطين المشيدة فهو محدث ..).
وفي سنة أربع وخمسين ومائة خرج المنصور من جديد إلى الشام، ومضى إلى بيت المقدس، والظاهر أن هذا كان آخر عهده بالمدينة المباركة، فلم يزر القدس بعدها حتى توفي سنة 158هـ.
وبعد أربع عشرة سنة من ذلك خرج ابنه المهدي من العراق يريد الحج، وزار بيت المقدسن فأقام بها أياما وانصرف. وفي هذه الزيارة القصيرة طالع المهدي أحوال بيت المقدس عن قرب، وأمر بإسكان نصارى القدس في حي واحد بها، كما نفى بطريرك بيت المقدس إلياس الثالث إلى بلاد فارس، بسبب عصبيته البالغة.
والمؤرخون يروون أنه لما دخل (المهدي دمشق يريد زيارة القدس، نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه أبي عبيد الله الأشعري : سبقنا بنو أمية بثلاث : بهذا المسجد الذي لا أعلم على وجه الأرض مثله، وبنبل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون والله فينا مثله أبدا. ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى (قبة) الصخرة وكان عبد الملك بن مروان هو الذي بناها ـ قال لكاتبه: وهذه رابعة).
وحين جاء الرشيد المهدي إلى سدة الخلافة بدا شديد التسامح، فوافق للإمبراطور شارلمان على ترميم كنائس بيت المقدس، وتعهد بحماية الحجيج النصارى إلى بيت المقدس.
ومنح الرشيد وفدا قدم إليه من أوروبا ـ من عند (شارلمان) ـ مفاتيح كنيسة القيامة ـ أكبر أثر نصراني في القدس ـ فكان هذا علامة أخرى على التسامح الذي ميز الحكم الإسلامي عموما في تعامله مع أهل الذمة.
وأما المأمون بن الرشيد، فقد تفقد مدن الشام، وزار القدس، وصلى في مسجدها، وتجول بين أرجاء المدينة متابعا أعمال الترميم والبناء. وأرسل إلى المسجد الأقصى بابًا زين غاية الزينة، وهو من الحسن بحيث تظن أنه من ذهب، وقد نقش بالفضة وكتب عليه اسم الخليفة ..)، وقد رأى الرحالة الشهير (ناصر خسرو) هذا الباب ووصفه في رحلته المعروفة.


مصطفى الصواف





وصف المسجد الأقصى أيام الفاطميين
سجل الفاطميين في القدس
القدس في عهد الفاطميين
الصراع الفاطمي السلجوقي على القدس
القدس في عهد السلاجقة الأتراك

في سنة 359هـ بدأت القدس تاريخها الفاطمي، وشغل هذا التاريخ أكثر من قرن من عمر الزمان، وأنهته الهجمة الصليبية الشرسة، والتي أحدثت تطورات عميقة في داخل العالم الإسلامي، أطيح أثناءها بالدولة الفاطمية تماما.









Brak komentarzy:

Prześlij komentarz