niedziela, 11 listopada 2018

مدينة السلامج2

وقفة مع المكان و المكانة و المسمى
تحتل القدس مكانة مرموقة عند كل أصحاب الديانات، فهي عند المسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام، وهي عند النصارى مهد المسيح ومكان مولده، وهي عند اليهود المكان الذي عاش فيه ملكهم وبني فيه هيكلهم…         مزيد> >

القدس … نبذة تاريخية
تعتبر مدينة القدس من أقدم المدن التاريخية في العالم، حيث يزيد عمرها عن (45) قرنًا، وهي مهد الديانات السماوية الثلاثة، اليهودية والنصرانية والإسلام…    مزيد>>
                                                                                                   

القدس في عهد الكنعانيين و العبرانيين (966 ق.م)
أقدم وثيقة محفوظة أوردت اسم “القدس” (أورسالم – أورشاليم) هي وثيقة مصرية ترجع إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، حيث كان سنوسرت الثالث (1878 – 1843ق.م) يعد ملك “روشاليموم” أو “أوشاميم” عدوا له يستحق اللعنة في الطقوس الدينية…      مزيد> >

القدس في عهد الكنعانيين و العبرانيين (966 ق.م)
أقدم وثيقة محفوظة أوردت اسم “القدس” (أورسالم – أورشاليم) هي وثيقة مصرية ترجع إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، حيث كان سنوسرت الثالث (1878 – 1843ق.م) يعد ملك “روشاليموم” أو “أوشاميم” عدوا له يستحق اللعنة في الطقوس الدينية…      مزيد> >

القدس بعد عهد العبرانيين والعصر الروماني
كانت دولة داود وسليمان )عليهما السلام ) في فلسطين وبعض النواحي المحيطة بها – دولةً استثنائية في مكانها؛ إذ المعهود في تاريخ هذه المنطقة هو تبعيتها لدولة قوية في بلاد ما بين النهرين (العراق) أو في مصر، لذلك لم يمر على موت سليمان سوى بضع سنوات حتى غزا الفرعون شيشنق فلسطين حوالي عام 920 ق.م…     مزيد>>

القدس في العهد الروماني
المرحلة الرومانية في تاريخ القدس (63 ق.م – 637م) أهم في تأثيرها على المدينة من المراحل العبرية والكلدانية (البابلية) والفارسية، فقد صارت القدس مع الرومان – حتى في اسمها – شيئا آخر غير ما كانت عليه في أيام هذه الدول…      مزيد> >

القدس في صدر الإسلام
الكثير من المصادر الإسلامية تناولت القدس: تاريخَها ومنزلتها وفضائلها، سواءٌ أكان ذلك على صورة مؤلفات خاصة بالمدينة المقدسة، أم ضمن مؤلفات عامة…  مزيد> >

القدس في السياسة الأموية
كانت الشام مركز المؤيدين للسياسة الأموية، فقد طالت الصلة بين أهل الشام وبين معاوية بن أبي سفيان – رأس دولة بني أمية – ورأوا فيه سياسيا وقائدا ماهرا، واختار الأمويون عاصمتهم في قلب الشام (دمشق)، وأولوا الشام ومدنها وأهلها اهتماما خاصا…     مزيد> >

القدس في عهد العباسيين
بعد نجاح العباسيين في انتزاع الحكم من الأمويين سنة 132هـ / 750م، اتخذوا مدينة بغداد عاصمة لخلافتهم، ومنذ ذلك التاريخ خضعت فلسطين لحكمهم ومن ضمنها مدينة بيت المقدس…    مزيد> >

في سنة 359هـ بدأت القدس تاريخها الفاطمي، وشغل هذا التاريخ أكثر من قرن من عمر الزمان، وأنهته الهجمة الصليبية الشرسة، والتي أحدثت تطورات عميقة في داخل العالم الإسلامي، أطيح أثناءها بالدولة الفاطمية تماما…  مزيد> >القدس في العصر الفاطمي


القدس في عهد المماليك
من أكثر الأمور التي تؤكد على أن مكانة القدس العالية هي عند المسلمين كافة .. فترة حكم المماليك، فالمماليك من المعروف عنهم أنهم من أجناس شتى، وأمم متفرقة مختلفة العادات والتقاليد، ومع ذلك نجدهم قد اهتموا بالقدس اهتمامهم بالحرم الشريف في مكة…     مزيد> >


القدس في عهد الخلافة العثمانية
من الفترات التي كثر فيها اللغط، وزاد بها الكلام وتأرجحت فيها عقول الناس بين الأخذ والرد فترة العثمانيين، ففي هذا العهد استولى اليهود على القدس وتناثرت الإشاعات عن أن العثمانيين هم السبب في هذا الضياع، واستغل اليهود هذه الشائعات في تنفيذ مخططاتهم القائمة على سياسة”فرق تسد” …    مزيد> > 


سكان القدس في العهد العثماني
إن الأكثرية الساحقة من سكان مدينة القدس كانت تتألف من أهالي المدينة المسلمين العرب، ولكن كانت هناك نسبة صغيرة من المسلمين الذين اختاروا الإقامة في القدس بعد أن وفدوا إليها من أقطار إسلامية وعربية مختلفة مثل المغرب ومصر وسوريا والعراق وغيرها من دول آسيا الوسطى …     مزيد> >

القدس تحت الاحتلال البريطاني : مخططات تهويد هادئة و ثورات فلسطينية مستمرة
المحاولات اليهودية والصهيونية لتغيير معالم القدس قديمة جدًا خلال كل الفترات والحقب التاريخية التي تعاقبت عليها، ولكن الحقبة التاريخية أكثر تغلغلاً هي فترة حكم العثمانيين بدءًا من سنة 1516م فقد منحوا اليهود الحرية التامة لزيارة الأراضي المقدسة دون قيد أو شرط، وبدا ذلك واضحًا في عهد السلطان سليم الأول…   مزيد> >  

الانتداب البريطانى 1917-1948
احتل الحلفاء مدينة القدس في 9 من ديسمبر 1917، وأنشأت بريطانيا حكومة عسكرية في فلسطين قبل أن تكمل احتلالها لشمال فلسطين والذي تم في سبتمبر 1918 وعينت الحكومة الإنجليزية الجنرال “كلا يتون ” على رأس الإدارة العسكرية في فلسطين…    مزيد> >
القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي
إثر إعلان قيام دولة “إسرائيل” في 15 من آيار / مايو 1948 وانسحاب سلطة الانتداب البريطاني من فلسطين دارت معارك بين الجيوش العربية والقوات اليهودية في نواح متعددة من فلسطين…     مزيد> >


محمد أبو مليح *




تحتل القدس مكانة مرموقة عند كل أصحاب الديانات، فهي عند المسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام، وهي عند النصارى مهد المسيح ومكان مولده، وهي عند اليهود المكان الذي عاش فيه ملكهم وبني فيه هيكلهم، وإليها سيعود المسيح حتى يقودهم إلى سيادة العالم– على حد زعمهم –  وهي في نفس الوقت ذات طبيعة تجعل كل من يريد ملكا ومالاً يطمع فيها. وهذه إطلالة على مكان ومكانة ومسمى المدينة المقدسة.
أولا : الموقع والمساحة
تقع القدس على خط عرض 31.52 درجة شمالاً، وعلى خط طول 35.13 درجة شرق غرينتش، وتقع على هضبة ممتدة جنوب السلسلة الجبلية الفلسطينية على ارتفاع 750 مترًا فوق سطح البحر المتوسط وتبعد عنه 33 ميلاً، وعلى ارتفاع 1150 مترًا فوق سطح البحر الميت وتبعد عنه 15 ميلاً، وتنحصر المدينة بين تلين مستطيلين يسيران متوازيين من الشمال إلى الجنوب وسط هضبة اليهودية الوسطى، ولها أربع قمم أولها في الشمال الغربي وتسمة قمة أكرا وارتفاعها 790م، والغربية صهيون 777م، وفي الشرق قمة سوريا 744م أما في الشمال الشرقي فتقع صخرة بزيتا، وهي استمرار للتل الشرقي نحول الشمال.
وأثر هذا الموقع على مناخ مدينة القدس حيث يكثر المطر في أكتوبر وحتى مايو، ويندر بين سبتمبر ويونيو، ومتوسطه السنوي 25.5 بوصة، وبالقدس 18 مرصدًا لتسجيل الأمطار، وكثيرًا ما يتساقط الجليد من ديسمبر حتى مارس، ويندر في أبريل، ويتكون بكثرة في يناير ليلاً، لكنه يذوب نهارًا، والمدى الحراري من 25 ـ 102ف، ومتوسط درجة الحرارة في يوليو (الصيف) 77 ف وفي يناير 43 ف، ومدى الرطوبة الجوية كبير وفي الربيع والخريف تهب رياح السيردكو، التي تنفذ للمدينة المقدسة من الفتحة الجنوبية الشرقية آتية من صحراء موآب في الجنوب، وتسود الرياح الشمالية الغربية الجافة. لكن نسيم البحر يجلب معه الرطوبة إليها.
وقدرت مساحة المدينة سنة 1945 بحوالي 19 كيلو مترًا مربعًا.
وكان العرب يمتلكون منها قبل ـ 1948م ـ 88.5% من المساحة الكلية للمدينة، واليهود 11.5% فقط من القدس القديمة، وفي المدينة الجديدة كان للعرب 53.8% من المساحة ولليهود 26.1% وللحكومة الإنجليزية 2.9% ونسبة 17.1% طرق وميادين عامة وسكك حديدية.
ثانيًا : مكانة القدس
لم تحظ مدينة من المدن ولا مصر من الأمصار في العالم كله بما حظيت به مدينة القدس من المكانة العالية في نفوس كل أجناس البشر، فهي مدينة جمعت آثارًا مقدسة منذ أربعة آلاف سنة، وهذه الآثار كان لكل جنس من الأجناس حكاية مع أثر أو أكثر منها.
وتتناول في عجالة مكانة القدس عند كل من المسيحيين واليهود ثم عند المسلمين.
أولاً ـ عند المسيحيين:
للقدس مكانة مرموقة عند المسيحيين، فهي المكان الذي يحجون إليه، وبها ولد السيد المسيح، ولهم بها ارتباط روحي عال جدًا فقد عاش المسيحيون فيها منذ قرون عديدة تعود إلى زمن السيد المسيح فعندهم ما يسمى بدرب الآلام وهو مقدس عند كل الطوائف المسيحية لاعتقادهم أن السيد المسيح قد صار فيه حاملا صليبه عندما اقتاده الجنود الرومان لصلبه تنفيذًا لأوامر الوالي الروماني بيلاطس.
ويقودل د. ميخائيل مكسي إسكندر في كتابه (القدس وبيت لحم) .. دراسة جغرافية وتاريخية وأثرية يقول : (وقد تعرضوا ـ أي المسيحيين للمتاعب الكثيرة هناك ولا سيما من اليهود ومن غيرهم، وقد اغتصب الصليبيون – في الغزو  الأوروبي لبيت المقدس – أملاك المسيحين العرب وكنائسهم، إلى أن أرجعها لهم القائد العربي صلاح الدين الأيوبي، الذي وثق في أمانتهم وأعطاهم دير السلطان، وكانت شئونهم الروحية تدار بمعرفة المطرانية السريانية، إلى أن تم رسامة أول مطران قبطي للقدس وتخومها سنة 1236م).
من ممتلكات الأقباط بالقدس :
1 ـ دير السلطان وبه كنيستا الملاك، والأربعة كائنات الروحية الغير متجسدة.
2 ـ دير أنبا أنطونيوس، شمال شرقي كنيسة القيامة، وبه كنيستان باسم القديسين أنطونيوس وهيلانة.
3 ـ دير مارجرجس بحارة الموارنة قرب باب الخليل.
4 ـ خان الأقباط للحج منذ عام 1829 في حارة النصارى.
5 ـ كنيسة العذراء بالجثيمانية (بجبل الزيتون).
6 ـ هيكل على جبل الزيتون.
7 ـ كنيسة باسم ماريوحنا، خارج كنيسة القيامة.
8 ـ هيكل باسم الملاك ميخائيل ملاصق للقبر المقدس من الغرب.
هذه الأملاك في مدينة القدس فقط وتوجد لهم أملاك أخرى خارج المدينة ليس هنا مكان ذكرها لالتزامنا بمنهج الدراسة.

ثانيا : عند اليهود :
ينقسم اليهود في مشاعرهم تجاه القدس إلى قسمين: الأول منهما يرى أنها مدينة عادية، بل ويمكن الاستغناء عنها بأخرى ومن هؤلاء زعيم الصهيونية نفسه تيودر هرتزل، حيث من الثابت أنه قبل اقتراح السياسي البريطاني الكبير (تشمبولين) في إعطاء اليهود وطنا قوميا في أوغنده بوسط إفريقيا، لولا أن غلاة الصهيونية ثاروا عليه، بل واعتدوا على مساعده (ماكس نوارداو) بالرصاص، واتهموا هرتزل نفسه بالخيانة لولا أنه تراجع تماما عن موقفه فتراجعوا هم أيضا.
الفريق الآخر هم الغلاة منهم وهم يرفعون دائمًا أصواتهم ويترنمون بنص من المزامير (مزمور 137/605) والذي يقول : (إن نسيتك يا أورشليم فلتشل يميني، وليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك، إن لم أرفع أورشليم على قمة ابتهاجي).
ولكن ومع ذلك فإن الجانبين لا مانع لديهم نهائيا أن يعتدوا على المدينة المقدسة بل يعتبرون القتل والذبح والتدمير فيها قربة إلى الله.

وأما أهم مقدسات اليهود في القدس :
فمن الثابت أنه ليس لليهود بالقدس سوى بعض الكُنس (مفردها كنيس) وهي حديثة البناء نسبيًا، وكذلك بعض القبور.
ويرجع تاريخ بناء أول كنيس إلى القرن الثامن عشر الميلادي، وجميعها يقع في الحي اليهودي بالقدس القديمة، وهو الحي المعروف بحارة اليهود، ومنها، قدس الأقداس، طبرت إسرائيل، توماتوراة، بيت إيل، مدراش، طابية، مزغاب لاوخ)).
ولليهود مقبرة خاصة بهم فيها أربعة قبور مميزة وهي : قبر النبي زكريا، وقبر يعقوب، وقبر أبشالوم، وقبر يهوشافاط.
أما بالنسبة لحائط المبكى الذي يقدسه اليهود، فالاعتقاد السائد الخارجي عندهم أنه البقية الباقية من سور أورشليم القديم، وأنه الحائط الخارجي للمعبد الذي رجمه هيردوس (18ق.م)، ودمر جانبًا منه تيطس (70م)، وأتى على ما تبقى منه هدرياتوس (135م)، ويقوم اليهود بزيارته وتقبيله وقراءة بعض النصوص التوراتية والتلمودية إلى جواره، وكذلك البكاء على مجدهم الضائع.

ثالثًا: عند المسلمين
ارتبط المسلمون بالقدس ارتباطًا وثيقًا وعقائديًا ظاهرًا، وذلك لما لها من المكانة في دينهم، ولحث النبي (صلى الله عليه وسلم) على الرباط فيها وتذكيره (صلى الله عليه وسلم) بفضائلها ومما جعل للقدس هذه المكانة في نفوس المسلمين عدة أمور منها:
1 ـ أنها مدينة الإسراء والمعراج، وهذه الذكرى لها حب وارتباط عاطفي شديد في قلوب المسلمين، حيث كانت تسرية عن نبيهم (صلى الله عليه وسلم)، والثانية أنها فرض فيها عليهم ركن من أركان دينهم وهو الصلاة، ولذا فهي تمثل جزءًا من عقيدة المسلمين.
2 ـ أنها أرض الأنبياء، والمسلمون يعتبرون أن ميراث كل الأنبياء هو ميراث لهم؛ لأن نبيهم هو النبي الخاتم، والإسلام حث المسلمين على أن يؤمنوا بهؤلاء الأنبياء السابقين لنبيهم، ولذا فكل مقدس عند أي ديانة أخرى أي خاص بنبي من الأنبياء هو مقدس كذلك عند المسلمين.
3 ـ القدس كانت قبلة المسلمين الأولى، والتي يتوجهون إليها وهم يعبدون ربهم.
4 ـ تبشير النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن أرض القدس هي أرض الرباط إلى يوم القيامة فعن معاذ بن جبل (رضي الله عنهقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(يا معاذ إن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات. رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة).
وعن أبي إمامة الباهلي (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله عز وجل وهم كذلك، قالوا يا رسول الله: وأين هم ؟ قال بيت المقدس وأكناف بيت المقدس).
5 ـ أن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر، ففي حديث ميمونة بنت سعد مولاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالت يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال أرض المحشر والمنشر.
6 ـ القدس عاصمة الخلافة الإسلامية القادمة:
عن ابن عساكر عن يونس بن ميسرة بن حابس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ( هذا الأمر (يعني الخلافة) كائن بعدي بالمدينة، ثم بالشام، ثم بالعراق ، ثم بالمدينة ثم ببت المقدس فإذا كان بيت المقدس فثمة عقر دارها، ولن يخرجها قوم فتعود إليهم أبدًا).
ولهذه الأمور فقد ارتبط المسلمون بالمدينة المقدسة أيما ارتباط.

وعن آثار المسلمين هناك :
1 ـ المسجد الأقصى.
2 ـ مسجد قبة الصخرة.
3 ـ حائط البراق
4 ـ فضلا عن أن كل أرض القدس هي مقدسة عن المسلمين.
5 ـ وبالإضافة إلى أن كل آثار الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم هي مقدسة عند المسلمين كما سبق ذكره.

رابعًا: الأسماء القديمة للقدس:
تذكر معاجم الكتاب المقدس أقدم اسم للمدينة في (نصوص الطهارة) المصرية في القرن التاسع عشر قبل المسيح بصورة (يورشاليم) أو (أورشاليم) وقد يظن البعض أن (أورشاليم) اسم عبري، أو اسم اختاره العبريون لمدينة القدس، لكن الحقيقة المؤكدة على خلاف هذا تماما، فـ أورشاليم اسم كنعاني : من لغة كنعانية، واختاره لها الكنعانيون، ودخل عليه بعض التحريف على لسان العبرانيين، فهو في الأصل (أورسالم)، أي مدينة سالم، أو مدينة إله السلام، ولكن تحول السين إلى شين على لسان العبريين.
وقد أوردت آثار الأمم القديمة المكتشفة هذا الاسم بصور مختلفة، فالأواني المكتشفة من عهد سنوسرت الثالث (القرن 19 ق.م) تسميها (أورشاليموم)، ورسائل تل العمارنة (القرن 14 ق.م) تنطقها (يوروساليم) وأما مخطوطات سنحاريب الآشورية فقد أوردت اسم القدس هكذا : (يوروسليمو).
وقد سبق اسم (يبوس) إلى الوجود كل الأسماء التي حملتها المدينة، حيث نسبها البناة الأوائل إلى أنفسهم.
ومن الأسماء القديمة أيضا (القدس)، وقد ورد لدى المؤرخ والرحالة اليوناني الشهير هيرودوت (484 ـ 425 ق.م) هكذا : (قديتس).
وللقدس أسماء عديدة فهي : صهيون ، ومدينة داود ، وأريئيل، وموريا، وإيلياء وتنطق إيليا، ونادرا إليا، أو بيت المقدس، ولكل اسم من أسماء قصة وحكاية قلكثرة الغزاة على المدينة كثرت أسماؤها وتعددت فكل غاز كان يسميها باسم والجامع أو العامل المشترك بينهما هذه الأسماء أنها كلها مقدسة كل اسم كان مقدسا عند من أطلقوها وذلك دليل على مكانتها.







  تعتبر مدينة القدس من أقدم المدن التاريخية في العالم، حيث يزيد عمرها عن (45) قرنًا، وهي مهد الديانات السماوية الثلاثة، اليهودية والنصرانية والإسلام.
وقد عرفت القدس بأسماء عديدة على مر العصور كان أهمها، يبوس، أورشاليم، إيليا كابتولينا، إيلياء، بيت المقدس، القدس، القدس الشريف .
يبوس هو الاسم الأقدم الذي عرفت به القدس قبل حوالي (4500) سنة، وذلك نسبة لليبوسيين الذين ينحدرون من بطون العرب الأوائل في الجزيرة العربية، ويعتبر اليبوسيون السكان الأصليون للقدس، فهم أول من سكنها حينما نزحوا إليها مع من نزح من القبائل العربية الكنعانية حوالي سنة (2500 ق.م)، حيث استولوا على التلال المشرفة على المدينة القديمة وبنوا قلعة حصينة على الرابية الجنوبية الشرقية من يبوس عرفت بحصن يبوس الذي يعرف بأقدم بناء في القدس، وذلك للدفاع عن المدينة وحمايتها من هجمات وغارات العبرانيين والمصريين (الفراعنة).
وكما اهتم اليبوسيون بتأمين حصنهم ومدينتهم بالمياه، فقد احتفروا قناة تحت الأرض لينقلوا بواسطتها مياه نبع جيحون (نبع العذراء) الواقع في وادي قدرون (المعروفة اليوم بعين سلووالحقيقة التي لا مجال للشك فيها أن ما يُسمَّى الآن باسم “بلاد الشام”، قد عُمِر منذ أزمان بعيدة بسلالات عربية، كالآموريين والكنعانيين والفينيقيين، وطرأت عليهم هجرات أخرى صغيرة في أزمنة متأخرة نسبيا من بلاد ما بين النهرين وجزر البحر المتوسط، واختلطت هذه الأجناس فيما بينها بصورة هائلة في زمن طويل، لكن اكتساب هذه البلاد لاسم مثل: كنعان، وفينيقية (منذ زمن قديم) يؤكد غلبة العنصر الذي تمثله هذه الأسماء.
ويذكر دارسو الحضارات القديمة أن الفينيقيين هاجروا من شرق الجزيرة العربية إلى أرض كنعان حوالي منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، واستوطنوا شواطئ البحر المتوسط، لترتبط حياتهم في أرض هجرتهم بالبحر المتوسط كما ارتبطت في أرض إقامتهم الأولى بما يسمى الآن “الخليج العربي”..
ان)وبق

د. نبيل الفولي




حديث الوثائق القديمة:
أقدم وثيقة محفوظة أوردت اسم “القدس” (أورسالم – أورشاليم) هي وثيقة مصرية ترجع إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، حيث كان سنوسرت الثالث (1878 – 1843ق.م) يعد ملك “روشاليموم” أو “أوشاميم” عدوا له يستحق اللعنة في الطقوس الدينية.
وهناك وثائق أخرى ذات أهمية أكبر في هذا السياق، وهي رسائل تل العمارنة المصرية المكتوبة بالخط المسماري على ألواح عتيقة، وترجع في تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد؛ أي إلى عصر أخناتون (1372 – 1354 ق.م). وقد اكتُشفت هذه الألواح سنة 1887م على يد فلاحة مصرية لم تعرف قيمتها، ونُقل ما نجا منها (حوالي 370 لوحا) إلى متاحف العالم في القاهرة وبرلين ولندن وبلجيكا وروسيا وإستانبول وباريس وغيرها!!
يت القدس تحت الحكم الفارسي حتى احتلها الإسكندر المقدوني في سنة 332 ق.م. وقد امتازت القدس في العهد اليوناني بعدم الاستقرار خاصة بعد وفاة الإسكندر المقدوني حيث تتابعت الأزمات والخلافات بين البطالمة (نسبة إلى القائد بطليموس الذي أخذ مصر وأسس فيها دولة البطالمة) والسلوقيين (نسبة إلى القائد سلوقس الذي أخذ سورية، وأسس فيها دولة السلوقيين)، الذي حاول كل منهما السيطرة على المدينة وحكمها .
وفي سنة 63ق.م استطاع الرومان أن يحتلوا القدس على يدي قائدهم بومبي، وفي سنة 135 ميلادية قام الإمبراطور الروماني هادريانوس بتدمير القدس تدميرًا شاملاً، حيث أقام مكانها مستعمرة رومانية جديدة أسماها (إيليا كابتولينا).
وظلت تعرف القدس بإيليا أيضًا في العصر البيزنطي (330-636م)، ذلك العصر الذي اعترف فيه بالديانة المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية البيزنطية، عندما اعتنقها الإمبراطور قسطنطين، وفي عهده قامت أمه الملكة هيلانة ببناء كنيسة القيامة سنة 335 م .
وفي سنة 614م استولى الفرس للمرة الثانية على القدس وقاموا بتدمير معظم كنائسها وأديرتها، وظلت تحت الحكم الفارسي حتى استردها هرقل منهم سنة 627 م فظلت تحت الحكم البيزنطي حتى الفتح الإسلامي.
ولما كان الإسلام دينًا عالميًا لا يقتصر على العرب، فقد وقع على كاهل العرب والمسلمين نشره في كافة البلدان، فكانت الفتوحات الإسلامية وكانت فلسطين من أول البلدان التي سارت إليها الجيوش الإسلامية، وبعد هزيمة الروم في معركة اليرموك أصبح الأمر سهلاً بالنسبة للمسلمين للوصول إلى القدس وفتحها، وفي سنة 15 هجرية / 636 ميلادية دخل الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب القدس صلحًا، وأعطى لأهلها الآمان من خلال وثيقته التي عرفت بالعهدة العمرية .
وبقدوم المسلمين إلى القدس تبدأ حقبة جديدة في تاريخها، حيث توالت سلالات الخلافة الإسلامية على حكمها تباعًا، فحكمها بعد الخلفاء الراشدين: الأمويون، والعباسيون، والطولونيون، والأخشيديون، والفاطميون، والسلاجقة .
هذا وظلت تعرف القدس باسم إيلياء وبيت المقدس منذ الفتح العمري وحتى سنة 217 هجرية، عندما بدأت تعرف باسم القدس لأول مرة في التاريخ الإسلامي وذلك بعدما زارها الخليفة العباسي المأمون سنة 216 هجرية وأمر بعمل الترميمات اللازمة في قبة الصخرة المشرفة، وفي سنة 217هجرية قام المأمون بسك نقود حملت اسم (القدس) بدلاًمن إيليا، ومن المحتمل أنه قام بذلك تأكيدًا لذكرى ترميماته التي أنجزها في قبة الصخرة
وعليه تكون القدس قد سميت بهذا الاسم منذ بداية القرن الثالث الهجري، وليس كما يعتقد البعض بأن ذلك يعود إلى نهاية الفترة المملوكية (القرن التاسع الهجري)، وتبلور فيما بعد حتى صار يعرف في الفترة العثمانية باسم (القدس الشريف).
وفي سنة 492هجرية / 1099 ميلادية احتل الصليبيون القدس وعاثوا فيها فسادًا وخرابًا دونما اكتراث لقدسيتها ومكانتها الدينية، فارتكبوا المجازر البشعة في ساحات الحرم الشريف، وقاموا بأعمال السلب والنهب وحولوا المسجد الأقصى إلى كنيسة ومكان لسكن فرسانهم ودنسوا الحرم الشريف بدوابهم وخيولهم حينما استخدموا الأروقة الموجودة تحت المسجد الأقصى والتي عرفت بعدهم بإسطبل سليمان، الأمر الذي يتناقض تناقضًا تامًا مع تسامح الإسلام الذي أكده وترجمه عمر بن الخطاب عندما دخل مدينة القدس .وما أن ظهر الحق وزال الباطل، حتى فتح الله على السلطان صلاح الدين الأيوبي بنصره على الصليبيين في معركة حطين سنة 583هجرية/ 1187 ميلادية، فحرر فلسطين وطهر القدس وخلصها من الصليبيين وردها إلى دار الإسلام والمسلمين .
وظلت القدس بأيدي المسلمين، تحكم وتدار من قبل السلالات الإسلامية التي جاءت بعد الأيوبيين، فكان المماليك والعثمانيون حتى سقطت بأيدي البريطانيين سنة 1917
  إلى داخل الحصن والمدينة .
كما عرفات القدس بأورشالم نسبة إلى الإله (شالم) إله السلام لدى الكنعانيين، حيث ورد ذكرها في الكتابات المصرية المعروفة بألواح تل العمارنة، والتي يعود تاريخها إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد.
وظلت يبوس بأيدي اليبوسيين والكنعانيين حتى احتلها النبي داود عليه السلام (1409ق.م)، فأطلق عليها اسم (مدينة داود)، واتخذها عاصمة له، ثم آلت من بعده لابنه الملك سليمان، وازدهرت في عهده ازدهارًا معماريًا كبيرًا، وفي هذه الحقبة سادت الديانة اليهودية في المدينة .
وفي سنة 586 ق.م دخلت القدس تحت الحكم الفارسي عندما احتلها نبوخذ نصر وقام بتدميرها ونقل السكان اليهود إلى بابل .
لكن إخوانهم الكنعانيين (الذين يشاركونهم في أصول واحدة) كانوا قد سبقوهم إلى سُكنَى هذه الأرض، وثبّتوا أقدامهم فيها، إلا أنهم اختاروا المواطن الداخلية (غير الشاطئية) في عموم سوريا؛ ليقيموا فيها مدنهم ومنازلهم، وهو ما قد يعكس عدم ارتباطهم بالبحر في مواطنهم الأولى..
والتاريخ يسجّل للشعوب العربية التي سكنت شرق البحر المتوسط أنهم علّموا العالم الكتابة القائمة على الألفبائية، كما أثبت الباحثون – من خلال دراسة المصطلحات الرياضية والفلكية وفنون العمارة والري والزراعة والعادات الدينية للأمم القديمة – أن هناك تشابها كبيرا بين حضارة الفينيقيين وبين الحضارات القديمة التي قامت في أمريكا، مما يرجّح بقوة معرفة الفينيقيين بالأمريكتين منذ زمن طويل.
والكنعانيون هؤلاء هم بناة القدس الأوائل، وعلى وجه الدقة نقول: إن اليبوسيين – وهم فرع كنعاني – قد أقاموا البناء الأول للقدس قبل الميلاد بثلاثة آلاف عام تقريبا. وقد وجدهم بنو إسرائيل مستقرين في فلسطين منذ زمن طويل حين دخلوا أورشاليم في القرن العاشر قبل الميلاد تقريبا.
ومن المعلومات المذكورة عن اليبوسيين أن لغتهم الأصلية كانت سامية كنعانية، وحين سيطر البابليون (القادمون من بلاد ما بين النهرين) على القدس، أخذ اليبوسيون عنهم لغتهم.
وعن عموم الكنعانيين ذكر المؤرخون أنهم ظلوا “خلال ألفي سنة جسرا بين مدن الحضارة على الفرات والنيل، ومنهم أخذ اليونان الحروف، ونقلوها إلى العالم. وتأثر الإسرائيليون بحضارة الكنعانيين، فأخذوا حروفهم التي كُتب بها العهد القديم، وتأثروا بأسلوبهم الشعري وبموسيقاهم وبدينهم”.
العرب يبنون القدس (يبوس) لأول مرة
كما كان العرب في جزيرتهم بطونا وقبائل، كذلك كان النازحون منهم إلى أرض كنعان. ومن الفروع الكنعانية التي سجل لها التاريخ خلود الذكر: اليبوسيون؛ والسبب في ذلك هو: بناؤهم مدينة القدس لأول مرة في التاريخ.
فهذه المدينة واحدةٌ من أشهر المدن التي عَمَرها الإنسان، وموطنٌ قُدِّر له أن يشهد من الأحداث ما لم تشهده إلا قلة نادرة من المدن، وهو ما لم يكن لليبوسيين به علم وهم يشيدون مدينتهم.
والقرن الذي بدأ فيه البناء الأول للقدس يقع ضمن “العصر البرونزي”. وليس من المعروف هل أقيمت المدينة حينئذ بناء على قرار اتخذته جماعة اليبوسيين، أو أن بعض البناءات المفردة أُضيف إلى بعض حتى استتمت المدينة كاملة، وأصبح لأهلها أمير (شيخ القبيلة) ومصالح تجارية وأنشطة مختلفة. لكن اكتشاف مثل هذه الأماكن لإقامة مدينة عليها، غالبا ما يعتمد على تجارب لرواد أو جماعات صغيرة سكنت المكان بصورة ما.
واختار اليبوسيون لمدينتهم مكانًا حصينًا يرتفع عما حوله من الأرض، وشيدوا لها حصنا لحمايتها، واختاروا لها أيضًا موقعا حيويا؛ ليتيسر لهم الانتفاع بمميزات تجارية وخيرات طبيعية تتيحها مدينة تقبع في هذا المكان، فبنيت القدس (يبوس) – مع مدن كنعانية أخرى – على طريق المياه بين الشمال والجنوب، وأُقيمت على مرتفع الضهور (وهو التل الجنوبي الشرقي في القدس القديمة القائمة الآن داخل السور) قرب عين ماء جيحون (نبع العذراء)، وحُفر تحت الجبل نفق تُنقَل من خلاله مياه النبع إلى الحصن.
وقد أطلق هؤلاء الكنعانيون على مدينتهم الصغيرة اسم “يبوس”؛ ليكون أقدم اسم لها في التاريخ، وأُضيفت إليها أسماء أخرى في أزمنة مختلفة.
وليس بين أيدينا وصف محدد لشكل المباني والشوارع ولا مواد البناء التي أُقيمت بها “يبوس” القديمة، لكن الحفائر في مدن فلسطين القديمة دلت على أن بيوتها كانت صغيرة متراصَّةً، وعادة تُقام في سفح تل، أو هي نفسها كهف في سفح التل، وترتفع البيوت طابقا واحدا، وهي إما من الطين أو الحجر العادي. أما شوارع المدينة من داخلها فهي ضيقة جدًا وملتوية، ولا توجد بها ميادين، وعند مدخلها “السوق” حيث تقام المحكمة، وتعقد العقود، وتعلن التشريعات.
وقد أُسند إلى ملك يبوسي يدعى “ملكي صادق” أنه وسّع القدس وزاد في مبانيها في القرن العشرين قبل الميلاد تقريبا، وأقام على التل الجنوبي المعروف بـ “جبل صهيون” قلعة للدفاع عن مدينته، التي صار اسمها حينئذ أوروسالم بدلا من يبوس. 
الأسماء القديمة للقدس
يظن البعض أن “أورشاليم” اسم عبري، أو اسم اختاره العبريون لمدينة القدس، لكن الحقيقة المؤكدة على خلاف هذا تماما، فـ “أورشاليم” اسم كنعاني: من لغة كنعانية، واختاره لها الكنعانيون، ودخل عليه بعض التحريف على لسان العبرانيين، فهو في الأصل “أور سالم”؛ أي مدينة سالم، أو مدينة إله السلام، لكن تحولت السين إلى شين على لسان العبريين.
وقد أوردت آثار الأمم القديمة المكتشفة هذا الاسم بصور مختلفة، فالأواني المكتشفة من عهد سنوسرت الثالث (القرن 19 ق.م) تسميها “روشاليموم”، ورسائل تل العمارنة (القرن 14 ق.م) تنطقها “يوروساليم”، وأما مخطوطات سنحاريب الآشورية فقد أوردت اسم القدس هكذا: “يوروسليمو”.
وقد سبق اسمُ “يبوس” إلى الوجود كلَّ الأسماء التي حملتها المدينة، حيث نسبها البناة الأوائل إلى أنفسهم.
ومن الأسماء القديمة للمدينة أيضا “القدس”، وقد ورد لدى المؤرخ والرحالة اليوناني الشهير هيرودوت (484 – 425 ق.م) هكذا: “قديتس”.
القدس ومصر الفرعونية
عثر علماء الآثار في مصر على قبور ونقوش كثيرة ترجع إلى الأسرة الفرعونية السادسة (حوالي سنة 2420 – 2280ق.م)، سجل بعضُها معلومات عن أقدم حملة حربية في التاريخ المعروف لنا، شارك فيها جيش وأسطول بحري من مصر، وقد كانت هذه الحملة في عهد الملك بيبي الأول، وأُرسلت لإخماد ثورة مشتعلة ضد الحكم المصري في فلسطين بناحية الكرمل..
يقول أحد رجال بيبي الأول في نقش نفيس مازال محفوظا إلى اليوم: “وعلى إثر ذلك – أي اشتعال الثورة – أبحرتُ في سفن البحر ومعي فصائل جنود، ونزلتُ خلف مرتفعات الجبال الواقعة شمالي بلاد سكان الرمال، وعندما سار هذا الجيش على المرتفعات سرتُ وقبضت على الثوار بأكملهم، وقُضي على العصاة كلهم”.
وهذه القوة في مواجهة ثورة داخلية تدل على أنها ليست محاولة لإخماد الثورة القائمة فحسب، بل هي أيضًا عمل لإرهاب من يفكر – مجرد تفكير – في الثورة، مما يعني أن فلسطين كانت مسرحًا لثورات متتابعة..
والمؤرخون يرون أن وقوع الكنعانيين بين حضارات قوية فيما بين النهرين ومصر.
وهناك قصة فرعونية شهيرة بطلها أمير يُدعَى “سنوهيت”، ترجع إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، تكشف عن معيشة بدوية كانت تحياها فلسطين في هذا الزمن، فالقبيلة هي صاحبة السيطرة، وتنافسها بقية القبائل على المنافع، ومن شأن هذا أن يسبب متاعب لحكام مصر، فكان لابد من إخضاع المنطقة لهم، أو ضمان ولاء أمرائها.
وسنوهيت – هذا الأمير الذي كان من رجال أمنمحات الأول (1991 – 1962ق.م) – هرب من مصر إلى فلسطين بعد انفراد سنوسرت الثالث (1878 – 1843ق.م) بالحكم، واختلط بالقبائل البدوية المقيمة هناك، وصاحَب أحد شيوخها (تسمّيه الوثيقة القديمة “عمو ننشي”)، الذي حنا عليه، وزوّجه من كبرى بناته، وأدمجه في حياة البادية، حتى صار ذا مال وذرية، واستعمل مهارته في تسكين ثورات البدو.
يقول سنوهيت: “لما أخذ البدو يخرجون عن الطاعة، ويقاومون رؤساء الصحارى كبَحتُ جِماحهم، وذلك لأن أمير فلسطين قد جعلني عدة أعوام رئيس جيشه، وكل بلاد سرت إليها قد طردتها من مراعيها وآبارها، ونهبت ماشيتها، وأسرت أهلها..”.
ويحكي سنوهيت عن مبارزة شرسة وقعت بينه وبين مقاتل فاتك من “فلسطين”، يقول: “وقد جاء رجل قوي من فلسطين ليبارزني في معسكري، وقد كان بطلا منقطع النظير، أخضع كل فلسطين (يقصد – فيما يبدو – أنه لم يهزمه أحد من أهلها في المبارزة).. وعند الفجر كانت فلسطين قد جاءت (يعبر عن كثرة من حضر المبارزة)؛ إذ إنها أثارت قبائلها، وحشدت ممالكها، وهيأت هذا النزال..”.
إنها حياة بدوية لا يستقر فيها الولاء لأحد، فكان الفراعنة يضمنون تبعية فلسطين بولاء أمراء المدن لهم – ويبدو أنهم كانوا كثيرين – لكن هؤلاء الأمراء كانوا يتعرضون لهجمات متتالية من البدو، لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد، فكان لابد من مساندة الفراعنة لأتباعهم. كما أن هؤلاء الأمراء أنفسهم كانوا ينقضون ولاءهم للحكومة المركزية في مصر أحيانا.
وقد كان الاختلاط بين الأجناس في مصر وأملاكها مما لا يحول دونه حائل، فمثلا اكتُشف حديثا ما أدهش علماء الآثار، فقد تبين لهم من خلال لوحة فرعونية قديمة (لوحة الملك “آي”) “أن قومًا من الكنعانيين وفدوا على مصر، وسكنوا في منطقة أبي الهول في عهد الدولة الحديثة” (من عام 1567 – 1085ق.م)، وقد تأثر المصريون بضيوفهم، فعبدوا مثلهم ما يسمَّى بالإله “حورون”، وجاء تمثال أبو الهول الشهير أثرًا لهذه العبادة، وحمل اسمًا ساميًا هو “بر حول”، وتحول على لسان العرب إلى “أبو الهول”.
مهما يكن، فقد كانت القدس طوال ارتباط فلسطين بمصر جزءًا من مسرح الأحداث المصري، فأميرها إما أن يكون مواليا لفرعون مصر يستحق المعونة والمساعدة، وإما أن يتزعم معاداة مصر والخروج على سلطانها فيستحق اللعن حتى في الطقوس الدينية!!
لقد عمل فراعنة الأسرة الثانية عشرة (من 1991 – 1778ق.م) على بسط سلطانهم في اتجاه سوريا، وسيطروا سياسيا واقتصاديا على أرض كنعان، دون أن تصير إقليمًا مصريًا. وتركز اهتمام المصريين حينئذ على المدن الكنعانية لأهميتها التجارية والعسكرية، ولكن القدس لم يكن لها حظ كبير في هذا الأمر حينئذ، وقد شق أميرها عصا الطاعة، حتى عد سنوسرت الثالث مَلِكَها عدوًا له يستوجب اللعنات في الطقوس الدينية.
وفي أحد النقوش الفرعونية القديمة سجل أحد ضباط سنوسرت الثالث (يدعَى سبك خو) ما يؤكد توجيه هذا الفرعون حملة عسكرية إلى فلسطين، وأنه عسكر بمكان يسمَّى “سكمم” بوسط فلسطين، كما عُثر على آثار فرعونية في “مجدو” وغيرها من مناطق فلسطين ترجع إلى هذه الفترة الزمنية (القرن التاسع عشر قبل الميلاد)، مما يؤيد الرأي القائل بسيطرة مصر على القدس وما سواها في هذا التاريخ.
وفي القرن الخامس عشر قبل الميلاد دخل الفراعنة في صراع مع الحيثِيّين في الأناضول وملوك بلاد ما وراء النهر، فاحتاجوا إلى ضمان خضوع أرض كنعان لسلطانهم، حتى يمروا خلالها إلى أعدائهم في أمان، فنجح تحوتمس الثالث (1504 – 1450ق.م) في إخضاعهم، وكانت القدس من المدن التي أخضعها، وإن تمتع الأمراء هناك باستقلال كبير. ويُنسب إلى هذا الفرعون تأسيس قلعة في بيسان.
وفي القرن الرابع عشر قبل الميلاد، كانت الغارات البدوية على أمراء المدن التابعين لمصر تزداد، فكانت الاستغاثات وطلبات النجدة تتابع، وممن أرسلوا يطلبون النجدة من أخناتون (1372 – 1354 ق.م) أمير “يوروساليم” (القدس) “عبدي خيبا”، الذي حذر الفرعون بقوة من سقوط المدينة في يد قبائل “خبيري” الشرسة. ولكن ظروف مصر حينئذ حالت دون إنقاذ الموقف.
وقد يكون جالوت (الذي هزمه جيش طالوت وفيه النبي داود – عليه السلام) أميرا غير موال للفراعنة، فلم نسمع قط أن المصريين كان لهم أي تأثير أو تدخل في هذا الصراع، الذي دخلت القدس بعده تحت حكم داود وسليمان (عليهما السلام) ثم انقسمت المملكة في القرن العاشر قبل الميلاد، وسيطر أحد فراعنة الأسرة الثانية والعشرين (يُدعى شيشناق) من جديد على القدس.
الخليل إبراهيم في الأرض المباركة
اتفقت الأمم على الثناء على شخصية النبي إبراهيم (عليه السلام) وادعى كثيرون من أهل الأديان نسبتهم إليه.
وقد أكثر القرآن من الثناء على هذا الرسول العظيم، وتبدو عناصر شخصيته في القرآن الكريم واضحة كما يلي:
أولا  لا يؤمن بشيء لا يقوم الدليل العقلي القاطع على صحته.
ثانيا  حينما يؤمن يتفانى في العقيدة التي يؤمن بها، ويحرص كل الحرص على اكتساب أنصار لها.
ثالثا  ثباته على عقيدته بعث في نفسه ثقة عجيبة بربه – سبحانه وتعالى – حتى كان يواجه الباطل وهو يعرف الأخطار الهائلة التي يمكن أن يتعرض لها، دون أن يبالي بها.
رابعا  كرمه في معاملة الأضياف، فهذا النفر من الملائكة الذين نزلوا به، أكرمهم النبي الكريم حتى قبل أن يعرف هويتهم، وجاءهم بمائدة عامرة.
خامسا – السفر والترحال جزء من تكوينه، وترجمةٌ من تراجم تضحيته في سبيل دينه الذي يسعى إلى ترسيخ جذوره في المجتمعات البشرية التي أمكنه أن يصل إليها.
وكانت “القدس” أحد العناوين التي وقف، بل أطال الوقوف بها: النبي المهاجر إبراهيم ( عليه السلام ) وهي – وما حولها – المقصودة من قوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (سورة الأنبياء: 71).
والمفهوم من سياق حياة سيدنا إبراهيم أنه صار مع تقدمه في السن شخصية مشهورة وسط الأقوام الذين جاورهم (الكنعانيون) في الأرض التي باركها الله (القدس وما جاورها)، فرجل أُلقي في النار على مرأى ومشهد من جموع غفيرة من الناس، ونجا منها مع التهابها وتأججها الشديد، ثم هجر قومه وأهله من أجل عقيدته إلى بلاد بعيدة، واستمر في أداء الرسالة نفسها التي آذاه قومه لأجلها، ثم هو أيضا يهاجر إلى مصر بزوجته سارة، فيحاول الملك أخذها لنفسه، ولكن حال الله بين الملك وبين هذا بمعجزة باهرة – رجل كهذا لابد أن تنتشر سيرته في كل مكان، خاصة قصصَه مع الملوك والكبراء في بلاده (ما بين النهرين) أو في مصر..
وبهذا نتوقع أن تكون للنبي الكريم مع شهرته صِلاَتٌ حسنة بمن حوله من جماعات الكنعانيين وأمرائهم، خاصة أنه لا ينافس أحدا على الحكم، كما كان غنيا يرعى حيوانات له، فقد قدّم لأضيافه من الملائكة عجلا سمينا مشويا، مما يرجّح أنه كان صاحب قطيع حيواني كبير.
ومن خلال الحصر القرآني في قوله تعالى [في سورة تحمل اسم النبي إبراهيم نفسه]: (وَمَا  أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ .. ) (سورة إبراهيم: 4) سنجد أن إبراهيم ( عليه السلام ) لو كان يتكلم فقط لغة قومه في العراق دون لغات الأقوام الذين ساكنهم في الأرض المباركة – وهذا راجح بقوة – فإنه سيكتفي في هجرته بجوار هؤلاء القوم، دون دعوتهم بالصورة التي كان عليها في بلاده، فإنه “أُرسل إلى قومه خاصة”، وأدى دعوته إليهم..
ولكن ما دوره الذي سيقوم به في أرض هجرته؟ وهل سيكتفي من عمله بالدين بما مضى؟ بالقطع لابد أن مهمة جديدة قُدِّرت لأجلها هجرة الخليل ( عليه السلام ) وهي: التأسيس لقواعد أرضيةٍ جديدةٍ، سكانُها أقل طغيانا من جبابرة ما بين النهرين، وموقعُها أيسر توصيلا بشرق الأرض وغربها، تنطلق منها الدعوة إلى الله فيما يُستَقبل من الزمان. وهذا ما تم بالفعل حين أسكن نبي الله إبراهيم ( عليه السلام ) فرعا من ذريته في مكة، وفرعا آخر في الأرض المباركة بالقدس..
وهذا الرأي يشبه أن يكون قراءة للأقدار الإلهية التي وقعت بالفعل فيما بعد، فهو يجد في مسار التاريخ البشري كله ما يقوّيه ويؤيده.
وحين يحتج أحد برسالة لوط  ( عليه السلام ) الذي سكن في قرى سدوم، عند موضع البحر الميت، بالقرب من عمه – أو قريبه – إبراهيم، وكانت دعوته في أهل هذه البلاد الغريبة عنه في أصلها – لن نجد صعوبة في أن نقول: إن لوطا هاجر مع عمه قبل أن يكلَّف بالنبوة والرسالة، وما كُلِّف بها إلا وهو يعلم لغة هؤلاء الذين أُرسل إليهم، سواء أكانوا في أصولهم نازحين من وطنه، أو كانوا من الكنعانيين سكان فلسطين، وصاهرهم هو وتعلم لغتهم من طول الجوار.
وقد حاول بعض دارسي “العهد القديم” تحديد العصر الذي عاش فيه إبراهيم ( عليه السلام ) فرأى أن مولده يرجع إلى عام 1996ق.م، واكتُشفت في بابل نقوش ترجع إلى هذه الفترة، يحمل بعضها اسم “أبرامو” و”أبمرام” و”أبمراما”.
 النبي إبراهيم في الأرض المباركة: رؤية من خلال العهد القديم
من المعروف أن القرآن ليس كتاب تاريخ يتتبع من كل حدث تفصيله، بل هو كتاب منهج مرسوم بقلم العناية الإلهية لهداية البشرية إلى أقوم سبيل وأهدى طريق، ولا مانع من أن تجد فيه – إلى جانب ذلك – حكايات تاريخية وإشارات من علوم الفلك والطب وغيرها..
وحين نطبق هذا على قصة إبراهيم ( عليه السلام ) كما حكاها القرآن سنجد أن الكتاب الكريم لم يقل كل شيء عنه، بل أورد ما فيه عبرة وعظة ودور في بيان منهج الله، وبالتالي لم تكن هناك حاجة للاعتناء بتتبع التفاصيل..
واستفادةً من الحديث: “حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج” (قال العجلوني في كشف الخفاء: رواه أبو داود عن أبي هريرة، قال في المقاصد: وأصله صحيح) – استفادة من هذا الحديث يمكن أن نذكر بعض المعلومات التي أوردها العهد القديم عن نبي الله إبراهيم، ولا تخالف صريح القرآن.. وهذا يعني أننا سنتعامل مع هذا الحديث على أن معنى “التحديث” عن بني إسرائيل ليس هو فقط رواية قصصهم هم، ولكنه أيضا نقل ما يروونه في كتبهم عموما:
1  يذكر العهد القديم أن إبراهيم ( عليه السلام ) أول ما أقام في أرض كنعان أقام في شكيم (نابلس) (سفر التكوين 12: 6)، وهي تقع شمال القدس ورام الله، “ثم نَقَل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل [تقع بين أورشليم ونابلس].. ثم ارتحل إبراهيم ارتحالا متواليا نحو الجنوب” (سفر التكوين 12: 8 – 9)، وفي مجاعة مفاجئة هاجر إلى مصر، ثم عاد إلى جنوب أرض كنعان، ومنها إلى بيت إيل (سفر التكوين 13: 1 – 2)، ثم “نقل أبرام خيامه وأتى وأقام عن بلُّوطات مَمْرا التي في حبرون [هي الخليل]” (التكوين 13: 18).
2  وفي حبرون كان لإبراهيم عهد – لا ندري كنهه – مع الأموريين (التكوين 14: 14). ويبدو أنه كان عهد جوار، فلم يكن للنبي الكريم من السلطان ما يناوئ به الأمراء من حوله، حتى يعقد معهم عهدًا فيه الندية التي تكون بين بعض الملوك وبين بعضهم الآخر، مع ثقتنا التامة بأن هذا العهد – إن صح – فهو عهد يحفظ لإبراهيم كامل كرامته.
3  أظهر العهد القديم إبراهيم  ( عليه السلام ) في صورة مقاتل مغوار، فذكر أن ملك عيلام (مملكة كانت وراء نهر دجلة شرق مملكة بابل) وحلفاءه هاجموا ملوك الأموريين (وهم من أصل كنعاني) – الذين بينهم  وبين إبراهيم عهد – وأسروا لوطًا وأخذوا أملاكه، ولم يكن إبراهيم – كما تذكر الرواية – موجودا حينها، وحين رجع صحب ثلاثمائة وثمانية عشر عبدا له متمرنين على القتال، وانقض على عدوه ليلا، فكسرهم، واسترجع لوطا وأملاكه ومن معه (التكوين 14: 1- 16). وعند عودته كرّمه ملك “شاليم” (قد تكون هي أورشاليم) ملكي صادق – وكان كاهنا – وباركه (التكوين 18).
4  وبعد هذه العودة المظفَّرة التي يذكرها العهد القديم، يُذكر الوعد الذي نشأت حوله مشكلات تاريخية كبيرة، ففي سفر التكوين “قطع الرب مع أبرام ميثاقًا قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات” (15: 18).
5  اشترى إبراهيم مغارة في الخليل دفن فيها سارة، ثم دُفن فيها هو عندما مات.
الوراثة في بيت إبراهيم
أصبح بيت إبراهيم ( عليه السلام ) علامة ثابتة في أرض كنعان، ونتوقع أنه قد مال إلى دينه بتلقائيةٍ وإعجابٍ العديدُ من الكنعانيين، وورث إسحاقُ بن إبراهيم هذه المنزلة عن أبيه، كما ورث النبوة بتشريف من الله – تعالى.
وقول القرآن: (.. فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً) (سورة النساء: 54) – ليس هذا الملكُ إلا النبوةَ والقبولَ عند الناس بعيدِهم وقريبِهم، فمُكِّن لهم في النفوس قبل أن يُمكَّن لهم في الأرض.
وتلا يعقوب بن إسحق ( عليه السلام ) أباه في رياسة بيت إبراهيم، والهدف من بقاء هذا البيت ليس تأسيسَ ملك دنيوي، ولكنه نهج الدعوة إلى التوحيد يرثه الخلف عن السلف.
ولعلنا نحس رسوخ هذا المعنى من التوارث في ذرية إبراهيم بالأرض المباركة، حينما نقرأ قصة زكريا ( عليه السلام ) فبعد أن كبرت سنه، ورأى أنه لا يوجد من قومه من يصلح لوراثته في الدعوة إلى دين الله، دعا قائلا: (رَبِّ  لاَ  تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الوَارِثِينَ) (سورة الأنبياء: 89).
لكن هذه الوراثة (التي يجب أن تقوم الأحقية بها على مدى الحفاظ على رسالة إبراهيم) كانت راسخة في فرع من فروع بيت إبراهيم، وهم ذرية حفيده يعقوب بن إسحاق، الذي نال لقبا تاريخيا التصق به هو “إسرائيل”.. كانت الرسالة راسخة في ذرية هذا النبي الكريم، حتى فسد حالُهم، وصاروا غير أهل لما خصهم الله به من الكرامة، فقد خالفوا هَدْيَ آبائهم، لا في الشرائع وحدها، ولكن في العقيدة نفسها، وامتدت يدهم الآثمة إلى كتب الله فحرّفوها، وإلى رسله وأنبيائه فقتلوا منهم، وكذَّبوا آخرين، فكيف يكون لهؤلاء عهد عند الله بوراثة بقعة هي من أطهر بقاع الأرض؟!
لقد كان فسادهم البالغ إيذانا بأن تتحول الدفّة منهم إلى الفرع الإبراهيمي الذي سترت صحراء الجزيرة العربية سيرته زمنا طويلا، فبعث الله نبيا من بني إسماعيل، هو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الذي ورث هو وأتباعه – مهما تكن أصولهم العِرقية وقومياتهم وأوطانهم – بلاغَ الدعوة إلى العالمين.. وعلى شرط الالتزام الصحيح بالدين وعدهم الله بالتمكين..
أول بناء للمسجد الأقصى:
عَنْ أَبِي ذَرَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَيّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوّلُ؟ قَالَ: “الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ” قُلْتُ: ثُمّ أَيّ؟ قَالَ: “الْمَسْجِدُ الأَقْصَىَ” قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: “أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصّلاَةُ فَصَلّ فَهُوَ مَسْجِدٌ” (رواه مسلم).
لا يتوافر نص صحيح الثبوت حول تاريخ البناء الأول للمسجد الأقصى إلا هذا الحديث الشريف، لكن زمن بناء المسجد الحرام لأول مرة غير مصرَّح به هنا، وبالتالي نتساءل: متى كان بناء المسجد الأقصى لأول مرة علما بما ثبت في الحديث صحيح من بنائه بعد المسجد الحرام بأربعين سنة؟
أولا  ليست هناك رواية صحيحة وصريحة حول بناء الكعبة المشرَّفة قبل نبي الله إبراهيم ( عليه السلام ) هذه هي معلوماتنا، وهي نفسها – بالتأكيد – معلومات الصحابة الذين سأل أحدُهم (أبو ذر) رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) عن اسم أول مسجد بُني على الأرض. ولو كانت لديهم معلومات أخرى حول بناءٍ آخر أقدم من هذا سمعوها من الرسول – صلى الله عليه وسلم – لتناقلت الأجيال ذلك عنهم؛ خاصة لما للبيت من مكانة، ولأن مناسبة الحج التي تأتي في كل عام من شأنها أن تثير الذاكرة لتخرج من مكنونها ما يخص البيت الحرام.
ثانيا  حين يجيب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أبا ذر عن أن المسجد الحرام هو أول بيت وُضِع للناس، فلن تكون المعلومة مكتملة إذا كان أبو ذر والصحابة لا يعلمون للبيت الحرام بناء قبل بناء إبراهيم.
ثالثا  حين أشار القرآن إلى أولية بناء المسجد الحرام كمكان خُصِّص ليقيم الناسُ فيه الصلاة، سبق ذلك بالحديث عن ملة إبراهيم ( عليه السلام ) وتلاه بالحديث عن “مقام إبراهيم”.. يقول تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا  كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) (سورة آل عمران: 95 – 97). وهذا يزيد في ترجيح أن المرة الأولى لبناء المسجد الحرام هي التي بناه فيها إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام.
رابعا  إن قيل: هل يمكن أن تعيش البشرية من أيام آدم إلى أيام إبراهيم (عليهما السلام) بلا مساجد؟ جاء الرد: نعم، على اعتبار أن المساجد أماكن مخصصة للعبادة وحدها.
وهذا يعني أن نرجِّح أن الباني الأول للكعبة هو إبراهيم ( عليه السلام ) وما رُوي من بناء الملائكة أو بناء آدم وغيره لها، فهو واهي السند.
معنى هذا أن نرجّح بناء المسجد الأقصى – لأول مرة – بعد بناء إبراهيم للمسجد الحرام بأربعين سنة.
فمن إذن بنى المسجد الأقصى تلك المرة؟
هناك روايات غير ثابتة الصحة تسند البناء الأول للمسجد الأقصى إلى إبراهيم، وأخرى مثلها تقول بأن يعقوب هو الباني الأول للمسجد الشريف.
هجرة بيت يعقوب من الأرض المباركة
حين ورث يعقوب ( عليه السلام ) الرئاسة على بيت إبراهيم، كان يساكن جماعات البدو فوق أرض فلسطين، وكانت حياته تقوم على الرعي، والكبار من أولاده الكثيرين (اثنا عشر) يتدربون ويزاولون الرعي كذلك. ومن شأن بيئة كهذه ألا تكون قادرة على كفاية نفسها عند استحكام الأزمات، على عكس الحال في مصر المجاورة ذات الخصب والماء الوافر..
وقد أصاب المنطقةَ جدب شديد، نجت منه مصر بمشورة فتى مبارك هو يوسف بن يعقوب ( عليهما السلام ) وكان الفتى قد ساقه القدر – في القصة المشهورة – إلى مصر بعد أن سعى إخوته إلى إبعاده عن أبيه، ففتح الله له أبواب التمكين في الأرض حين أوّلَ وهو في السجن رؤيا للملك أنقذت البلاد من سبعة أعوام من الجفاف، وأتاحت للبلاد المجاورة لمصر فرصة الحصول على الأرزاق..
وقد جاء إخوة يوسف إلى مصر سعيًا للحصول على القوت، وهم لا يدرون أن الأقدار تسوقهم إلى مكان أخيهم الذي أساءوا إليه في صغره، وما وجدوه حين وجدوه في مصر إلا واحدا من أهم شخصياتها، وكبار رجالها، فدعاهم يوسف ( عليه السلام ) أن يأتوا بأبيهم يعقوب وأمهم وأولادهم وذرياتهم إلى مصر، وقال لهم: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) (سورة يوسف: 93).. قال بعض المفسّرين: “كانوا ثلاثة وتسعين، ما بين رجل وامرأة”، وهو عدد منطقي ومقبول. وبذلك خرج الفرع اليعقوبي (الإسرائيلي) من الأرض المباركة إلى أرض مصر الخصبة الغنية، وبقيت الفروع الإبراهيمية الأخرى من جهة إسحاق مقيمة هناك في الأرض المباركة.
واليهود يُظهرون يعقوب ( عليه السلام ) في كتبهم على أنه شخص مخادع أناني، فقد استغل جوع أخيه التوأم عيسو، واشترى منه بكوريَّته (أي شرف ومكانة البِكْر) بخبز وعَدَس مطبوخ!!! (التكوين 25: 29 – 34)، وأوهم يعقوبُ – كما يورد العهد القديم – أباه إسحاق الشيخ الكليل البصر بأنه هو عيسو لينال البركة بدلا منه!!! (التكوين: 27).
ودارسو العهدين القديم والجديد يحللون سيرة يعقوب في كتبهم فيقولون: “كانت ليعقوب نقائص ظاهرة في طباعه دفعته إلى ارتكاب أخطاء فاحشة، كان يجب أن يتحمل مغباتها ونتائجها، ولشدَّ ما لوّعه فقدان يوسف”!! وهي صورة تزري بالإنسان العادي، فما بالنا بالمصطفَينَ من عباد الله؟!!
وأما القرآن فيقول عن يعقوب وأبويه: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الأَخْيَارِ) (سورة ص: 45 – 47).
ويقول الله تعالى عن نبيه إبراهيم: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (سورة الأنبياء: 72 – 73).

* * * * *
القدس في عهد العبرانيين (966 ق.م)

سوف نتناول في السطور التالية فترة من أهم الفترات في تاريخ المدينة المقدسة؛وهي الفترة التي تعتمد عليها الحركة الصهيونية في كل ما تدعيه الآن من أحقية في فلسطين، وغيرها من الافتراءات والأكاذيب. وسوف نركز في هذا الشأن على النقاطالتالية:

1- العبرانيون من مصر إلى فلسطين

2 ـ القدس من خروج موسى من مصر إلى دخول داود فلسطين
3 ـ القدس وأعمال يوشع الحربية
4 ـ طالوت يقود بني إسرائيل في معركة فاصلة
5 ـ القدس في عهد الملك داود
6 ـ القدس في عهد الملك سليمان
ــــ
1- العبرانيون من مصر إلى فلسطين
خرج العبرانيون من مصر حوالي عام (1220 ق.م) بقيادة موسى (عليه السلام)، متجهين نحو أرض فلسطين، ولما حاولوا في بادئ الأمر دخول البلاد من ناحيتها الجنوبية قاومهم الفلسطينيون، وحالوا دون تحقيق هدفهم من دخول البلاد، وعندئذ توجهوا إلى جبال مؤاب والمناطق الواقعة شرقي الأردن.
ويعتقد بعض دارسي العهد القديم أن تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر يعود إلى منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد أو آخره، ويرى آخرون أنه من حوادث الربع الأخير من القرن الثالث عشر الميلادي. وليس هناك ما يقطع بصحة هذا الرأي ولا ذاك، ولكن لوحات تل العمارنة التاريخية (القرن الرابع عشر قبل الميلاد) تتحدث عن قبائل تسمى (خبيرو) كان حاكم القدس (عبدي خيبا) يشكو إلى الفرعون في مصر من غاراتهم مر الشكوى.
وتعتقد طائفة كبيرة من دارسي الحضارات القديمة أن العبرانيين كانوا أحد عناصر هذه القبائل، ويقولون : (لم يكن الخبيرو طائفة لها لغتها الخاصة أو جنسيتها الخاصة، بل كانوا ـ على ما يظهر ـ قوما أرخوا لساقهم العنان، يتألفون من سلالات مختلفة، ويحمل معظمهم أسماء سامية).
وقد سجلت النقوش والمخاطبات المصرية القديمة مجموعة من الصفات السلبية كان المصريون يطلقونها على هذه القبائل، منها : أغراب، عبيد مغيرون، جوالون، أعداء أجانب، مخاطرون.
ويبدو أن القدس حين خرج بنو إسرائيل من مصر كانت ـ مع بعض المدن حولها ـ خاضعة لقوم من الكنعانيين يدينون بالولاء لفراعنة مصر ولدينا في القرآن بعض أوصاف هؤلاء القوم من وجهة نظر أتباع موسى ( عليه السلام ) فحين أمرهم بدخول الأرض المقدسة ليقيموا فيها شريعة الله تعالى قالوا له : (إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ(سورة آل عمران 22) .. وقد بالغت الإسرائيليات في وصف هؤلاء القوم وبيان ضخامة أجسامهم.والمتوقع أن يكون هذا تهويلاً من جانب بني إسرائيل الذين ولم يتعودوا المشاركة في الحروب، إذ كان المصريون يستعبدونهم ويمنعونهم من المشاركة في القتال مخافة أن ينقلبوا عليهم ولم يكن هؤلاء الجبارون إلا الجماعات الكنعانية المتحكمة في حواضر فلسطين، وارتبط تاريخهم بها منذ زمن بعيد.
وقد اختلف المفسرون والمؤرخون حول مفهوم الأرض المقدسة التي أمر موسى ( عليه السلام ) بني إسرائيل بدخولها، فمنهم من ذكر أنها الشام عموما، وقال البعض : إنها فلسطين ودمشق وبعض الأردن،… ومهما يكن، فإن بني إسرائيل خالفوا أمر موسى ( عليه السلام ) واستحقوا عقوبة (التيه)، حيث صارت المنطقة التي أقاموا بها في سيناء سجنا لهم تحيط به أسوار معنوية، فلا قدرة لهم على العودة إلى مصر التي خرجوا منها، ولا شجاعة عندهم ليواجهوا سكان (الأرض المقدسة)، وبقيت فلسطين في يد الكنعانيين (الجبارين !!) .

2- القدس من خروج موسى من مصر إلى دخول داود الأرض المقدسة

يعتقد أن الفترة المشار إليها في هذا العنوان تمتد (على الأكثر) من حوالي منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وقد حفظت لنا الآثار المصرية القديمة أن الفرعون أمنحوتب الثاني (1436 ـ 1411 ق.م) واصل غزوات سابقيه من ملوك الأسرة الثامنة عشرة في فلسطين وسوريا، وعثر حديثا في (منفيس) على نصب تذكاري سجل فيه أمنحوتب أنه اسر 3600 من أفراد (خبيرو) وهي لفظة قريبة من كلمة (عبري) ولكن ليس من الضروري أن يكون هؤلاء الأسرى من العبرانيين (بني إسرائيل) فـ (خبيرو) كان يشير إلى عدة قبائل ـ منهم بنو إسرائيل ـ يسكنون فلسطين ومناطق أخرى.
وفي عهد سيتي الأول (1312 ـ 1300 ق.م) ـ فرعون مصر القوي ـ قامت حملة كبيرة لقتال البدو الآسيويين في فلسطين، الذي تحركوا ضد سلطان الدولة في مصر، وسجل ذلك على جدران معبد الكرنك بالأقصر، وفي لوحة عثر عليها في بيسان سنة 1923م. وكما يذكر أحد الباحثين في الحضارات القديمة،  (كان للعبرانيين في الحركة التي قام بها هؤلاء البدو ضلع، إذ كانوا يسعون لتوطيد أقدامهم في فلسطين).
وفي عهد رعمسيس الثاني (1301 ـ 1235 ق.م) قامت حرب طاحنة في (قادش) بينه وبين مملكة (خيتا) (تقع عاصمتهم في أواسط آسيا الصغرى ـ تركيا الآن)، وانتصر المصريون، فحرض الخيتيون عليهم كل أمراء فلسطين، وشجعوهم على الثورة على الفرعون، فاضطر رعمسيس للقيام بحملة لتسكين التمرد، بدأها بعسقلان. وقد سجل مشهد على جدران معبد الكرنك الهجوم على هذه المدينة، التي ابتدأ منها رعمسيس الثاني إعادة السيطرة على فلسطين كله.
وهذا كله في النهاية يعني أن القدس ـ خلال هذه الفترة ـ كانت خاضعة لسلطان المصريين، أو بتعبير أكثر دقة : كانت في غالب الأحيان تدين بالولاء لفراعنة مصر.

3- القدس وأعمال يوشع الحربية

كان رفض بني إسرائيل الدخول إلى الأرض المقدسة كما أمرهم موسى ( عليه السلام ) إيذانا بعقوبة إلهية تنزل بهذا الجيل منهم، فكتب الله عليهم التيه أربعين سنة، قال الله تعالى : (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ(سورة المائدة :26) ومعنى هذا أن الأربعين سنة هذه سيتلوها شيء جديد غير ما كان أثناءها، وكان هذا هو السعي إلى دخول الأرض المقدسة.
وقد قاد خطا بني إسرائيل الأولى في هذا السبيل فتى موسى واسمه (يوشع) الذي صحبه في لقاء الخضر، وسجل القرآن القصة في سورة الكهف (الآيات من 60 ـ 82).
ويذكر المفسرون عن يوشع أيضًا أنه أحد الرجلين اللذين وافقا موسى على دخول الأرض المقدسة.
إن عموم النصوص الواردة عن يوشع توحي بأنه كان رجلاً عسكريًا قويًا، إلا أن الوضع السياسي في الشام كان من التعقد بحيث يصعب على قبائل متخاذلة مثل بني إسرائيل أن تحول الأوضاع إلى صالحها، وإن كان يقودهم نبي كريم، ذلك لأن المصريين لم يكونوا يتساهلون في ضمان ولاء أمراء المدن الفلسطينية لهم، كما كان الأمراء الكنعانيون أكثر حرصا على بقاء سلطانهم على هذه المدن.
إذن، لم تصل خطا يوشع ببني إسرائيل إلا إلى سيطرة جزئية على فلسطين، وبقيت القدس ومدن أخرى في يد الكنعانيين إلى أيام داود ـ عليه السلام.
وعند التحقق من تاريخ حياة يوشع لم نجد مصدرا يحقق بدقة الفترة التي عاش فيها، وإن كانت تتراوح بين القرنين الثاني عشر والحادي عشر قبل الميلاد.

4- طالوت يقود بني إسرائيل في معركة فاصلة

لقد أورد القرآن الكريم قصة طالوت والجنود، وبها الكثير من العبر والعظات.
ولكن لا ندري بالضبط هل كان الجيش الذي قاده جالوت وقاتله بنو إسرائيل جيشًا كنعانيا أولا ؟ إلا أن نبرة بني إسرائيل في الحديث ـ حين طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكًا ـ توحي بأنهم مظلومون (أخرجوا من ديارهم وأبنائهم)، ويصعب أن يدعوا هذا في مواجهة الكنعانيين أصحاب البلاد الأًصليين، وبالتالي نرجح أن الشعب الذي قاتله بنو إسرائيل كان دخيلاً هو الآخر ـ كالعبرانيين ـ على أرض كنعان، لكنه وهو يحاول السيطرة على أرض كنعان اجتاح الشعوب الأخرى، ونال بني إسرائيل بعض هذا الشر، فمن يكون هذا الشعب المعادي ؟
يخبرنا التاريخ أنه في حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد تعرضت أرض كنعان لغزو من شعب ينتمي إلى جزيرة كريت، استوطن الشواطئ الكنعانية من غزة إلى يافا، وتسميه الآثار المصرية القديمة (بلست) و الآشورية (بالستو) وقد قدر لهذا الشعب أن تأخذ أرض (فلستيا) وجاء الرومان بمزاجهم الأوروبي فعدوا (فلسطين) اسما رسميا لأرض كنعان.
وهذا الشعب (أي بلست) يحتمل أنه غلب على البلاد، حتى تفوق على الكنعانيين أنفسهم، وبهذا نفهم بسهولة معنى أن داود ( عليه السلام ) حكم دولة كثير من أبنائها من الكنعانيين، إذ لم يكونوا هم عدو بني إسرائيل.

5- القدس في عهد الملك داود (966 ق.م ـ 963 ق.م)

تذكر الروايات اليهودية أن داود نصب ملكًا على العبرانيين في عام (1004 ق.م) بعد أن كان محاربًا بين جند الملك شاؤول وكان يقيم في مدينة حبرون (الخليل) ولما استقر له الحكم أراد أن يتخذ لنفسه موقعا أكثر تحصينا فوجد مطلبه هذا في مدينة يبوس فهي وعرة المسالك للقادم من الأردن أو من البحر أو من الجنوب على حد سواء، وهي مسورة غير مكشوفة للغزاة، كما أن المدينة كانت تتوسط مواقع القبائل اليهودية وكانت اثنتي عشرة قبيلة متفرقة في البلاد وبذلك يتمكن من السيطرة على جميعها.
وتمكن داود عليه السلام ومن خلال خدعة حربية أن يجتاز أسوار المدينة ويدخلها عام (966 ق.م). وكانت يبوس وقتذاك تتمتع بوجود حكومة فيها وصناعة وتجارة وحضارة متقدمة، فاتخذها عاصمة ملكة وأسماها مدينة داود كما جعل اليهودية الديانة الرسمية في البلاد حيث جعل هناك نوعا من الاتحاد بين القبائل اليهودية في مملكة واحدة، وتابعه لحكم مركزي واحد .
ويعتبر المؤرخون فترة_ حكم داودعليه السلام__ الفترة الذهبية الأولى في حياة العبرانيين من النواحي السياسية والأدبية على وجه الخصوص.

6- القدس في عهد الملك سليمان (963 ـ 923 ق.م)

وتقول الرواية اليهودية أن الملك سليمان عليه السلام رأى أن يكون على وفاق مع فرعون مصر فصاهره وتزوج من ابنته وبذلك تمكن من بسط نفوذه وحكمه إلى جهات العقبة وسيناء وسورية وقد يكون امتد من دان إلى بئر السبع على حسب القول المشهور عند اليهود.
 وهكذا يعتقد أن المملكة العبرية وصلت في عهد الملك سليمان إلى ذروة مجدها وشابهت في كثير من الأمور الممالك الشرقية المعاصرة.
لكن النص التوراتي لم يعطي أية تفاصيل أخرى عن فرعون مصر، ولذلك افترض المؤرخون أن حما سليمان هو الفرعون سيامون آخر فراعنة الأسرة الواحدة والعشرين، لأن الفرعون شيشنق الذي خلفه حسب ما ورد في التوراة كان من أعداء سليمان واستقبل خصمه يربعام عندما لجأ إليه، لكن النصوص المصرية المتوفرة من عصر الفرعون سيامون لا تذكر شيئا عن سليمان ولا عن مملكته، وكذلك الأمر بالنسبة للفرعون شيشنق حيث أن سلاجته لم تأتي على ذكر الملك سليمان ولا عن مدينة أورشليم ولا عن وجود مملكة قوية موحدة في فلسطين.
وكانت أهم إنجازات الملك سليمان في مدينة القدس حسب ما أوردته الروايات التاريخية :
1 ـ أنه بنى لنفسه قصرًا ملكيًا خاصًا به استغرق بناؤه ثلاث عشرة سنة.
2 ـ يقال بأن الملك سليمان شرع في بناء الهيكل الذي اشتهر في التاريخ باسم هيكل سليمان في العام الرابع من حكمه وأنه أنجز في سبع سنوات (960 ـ 953 ق.م) وتشير الروايات التاريخية أن الهيكل بقي قائما منذ أن تم بناؤه في عهد الملك سليمان عام 953 ق.م إلى أن تم تدميره نهائيا في عهد البابليين على يد نبو خذ نصر عام 586 ق.م وذلك خلال حملته الثانية على القدس، حيث أخذ زينات الهيكل ومحتوياته ثم دمره تدميرا نهائيا. ولم يتمكن الأثريون من إيجاد أي أثر له على الإطلاق في المكان الذي يقال أنه بني عليه.
3 ـ قام الملك سليمان بتحديد بناء ما كان هناك من أسوار للمدينة.
4 ـ أن الملك سليمان عمل على إنشاء وفتح المخازن التجارية في المدينة لتمد القوافل المتنقلة بين بلاد الرافدين ومصر غير مدينة القدس بما تحتاجه من المواد التموينية.
لكن فنكلشتاين يقول : أنه بناء على نصوص التوراة كان الملك سليمان بانيًا كبيرًا، إلا أن الملك أجاب الذي تتحدث عنه التوراة بصفته حاكمًا ضعيفًا ومتزوجًا من امرأة زانية اسمها ايزابيل كان على ما يبدو هو البناء الأكبر للأبنية التاريخية المهمة، حيث يعلل ذلك قائلاً: إن المكتشفات الأثرية التي أرجعناها حتى الآن لفترة حكم داود وسليمان في القرن العاشر ق.م بنيت على ما يبدو بعد ذلك بمائة عام أي في فترة حكم الملك أجاب.
انقسام المملكة اليهودية :
ولما توفي سليمان عليه السلام تولى الملك من بعده ابنه رجيعام عام (923 ق.م). وتشير الروايات التاريخية المعتمدة على النصوص التوراتية أن الوحدة المؤقتة بين القبائل اليهودية التي حققها داود وسليمان خلال حكمهما كانت معرضة في كثير من الأحيان للانهيار، إذ كان الخلاف اقتصاديا بالدرجة الأولى بين أهل الشمال الذين عملوا في الزراعة وأهل الجنوب الرعاة، وكذلك الخلاف بين طقوس الشماليين الكنعانية الطراز وطقوس الجنوبيين التي عبدت الإله يهوه، كل ذلك أدى إلى تحين الطرفين الفرصة للانقسام.
وقد لاحت هذه الفرصة بعد موت الملك سليمان عام (932 ق.م) حيث تشير الروايات اليهودية أن ممثلو القبائل الاثنى عشر اجتمعوا في شكيم (قرب نابلس) لمبايعة رحبعام بن سليمان ملكا عليهم وكان في السادسة عشرة من عمره، وعندما سئل إذا كان سيعمل على تخفيف عبء الضرائب التي فرضها والده عليهم، رد رجيعام بقسوة على سائليه، فاتفق ممثلو عشر قبائل منهم على عدم مبايعته، فأدى ذلك إلى انقسام المملكة اليهودية إلى قسمين :
1 ـ مملكة إسرائيل وعاصمتها السامرة (نابلس) وانضم إليها عشرة أسباط.
2 ـ مملكة يهوذا وعاصمتها أورشليم (القدس) وانضم إليها سبطان فقط.
مملكة يهوذا في القدس :
تشير الروايات التاريخية أن هذه المملكة لم تكن تزيد على بضعة مئات من الكيلومترات المربعة حول مدينة القدس. كما تشير النصوص اليهودية أن عرش يهوذا شهد عددا من الملوك يماثل عدد ملوك إسرائيل الشمالية وهو تسعة عشر ملكا، غير أن المملكة الجنوبية دامت نحو قرن وثلث القرن أكثر من مملكة إسرائيل الشمالية.
ونتيجة لانقسام المملكة اليهودية ضعفت شوكة اليهود، وتعرضت القدس إلى غزوات متلاحقة وغدت البلاد نهبا مقسما بين الغزاة والمهاجمين من المصريين والسوريين والآشوريين.
وحسب النص اليهودى فإن فرعون مصر شيشنق استغل فرصة تقسيم المملكة اليهودية وزحف إلى مملكة يهوذا حوالي عام 920 ق.م. واحتل أورشليم ونهب خزائنها وقفل راجعا إلى مصر حاملا معه كنوز الهيكل والقصور كغنائم فكانت تلك أول الغزوات التي شهدتها مملكة يهوذا إلا أن سجل الحملة الوحيدة لشيشنق على آسيا لم يأتي على ذكر مدينة أورشليم ولا عن أية مدينة مهمة من مدن يهوذا.
وتشير الروايات التاريخية أن مدينة القدس تعرضت بعد الغزو المصري إلى غزو سوري، فقد أخذ (بنحدد الأول) وهو أحد ملوك دمشق في الفترة 843 ق.م ـ 779 ق.م) من ملوك يهوذا كنوزًا من معبدهم ومن القصر الملكي في أورشليم وجعل المدينة تحت سيطرته.
وهكذا كانت تسير الأمور من سيء إلى أسوأ في المملكتين، ولم يكن لمملكتي يهوذا أو السامرة أي سلطان على الأجزاء الباقية من فلسطين

رضوى نبيل *




1.    الفراعنة يعيدون غزو فلسطين

2.    بيت المقدس قبيل الغزوين الآشوري والبابلي

3.    المحاولات الآشورية للسيطرة على القدس

4.    سيطرة مصرية جديدة على القدس

5.    نبوخذ نصر في القدس

51.    الفراعنة يعيدون غزو فلسطين

كانت دولة داود وسليمان )عليهما السلام ) في فلسطين وبعض النواحي المحيطة بها – دولةً استثنائية في مكانها؛ إذ المعهود في تاريخ هذه المنطقة هو تبعيتها لدولة قوية في بلاد ما بين النهرين (العراق) أو في مصر، لذلك لم يمر على موت سليمان سوى بضع سنوات حتى غزا الفرعون شيشنق فلسطين حوالي عام 920 ق.م.
وقد ذكر سفر الملوك الأول أن هذا الفرعون غزا أورشليم، مما يعني أنه غزا عموم المملكة الإسرائيلية الجنوبية (يهوذا)، ويؤيده سفر أخبار الأيام الثاني: “وأخذ (أي شيشنق) المدن الحصينة التي ليهوذا، وأتى إلى أورشليم” (12: 4).
وقد سجل “شيشنق” أحداث حملته على فلسطين على جدران معبد الكرنك، فنقش هناك صورا للأسرى وهم يُذبَحون أمام آمون، وقائمة (قد تَلَف أكثرها) بالأماكن التي غزاها الفرعون. وتكشف هذه النقوش عن أن حملة شيشنق لم تقتصر على جنوب فلسطين – كما يوحي خبر العهد القديم – بل امتدت إلى الشمال، وقوّى ذلك أنه عُثر في شمال فلسطين على نقش مصري قديم عليه اسم “شيشنق”..

.10.  الصراع البطلمي السلوقي على القدس

11.  الثورة المكابية

    نبوخذ نصر في القدس

6.    الفرس وحلقة جديدة في تاريخ القدس

7.    القدس في مملكة الإسكندر

8.    القدس تحت حكم البطالمة

9.    الأثر البطلمي على القدس




Brak komentarzy:

Prześlij komentarz